تشيع في مختلف أرجاء الإمارات مساجد وجوامع تتميز بالطابع الصرحي، الذي يأخذ أبعاداً هائلة في كثير من الأحيان، في انعكاس مباشر للوظائف التي يضطلع بها في خدمة مناطق محتشدة بالسكان، وفي ترجمة لميل رعاة هذه المساجد إلى أن يكون ما يقدمونه متميزاً إنشاء وزخرفة على السواء.

ومن المؤكد أن الاهتمام بهذه النوعية من المساجد والجوامع في الإطار الكلي للاهتمام بعمارة الإمارات في سياقها المسجدي هو أمر ضروري وحتمي، غير أنه لا يقل عن ذلك أهمية في اعتقادنا ضرورة النظر في المساجد الصغيرة، التي يصطلح تقليديا على تسميتها بمساجد الأحياء، وأيضاً الزوايا التي قد تشكل صياغة فريدة لمساجد البادية. دعنا نتذكر ابتداء أن معظم مساجد الإمارات كانت في وقت من الأوقات تنتمي إلى هذه النوعية من المساجد على وجه الحصر، بفعل عاملين محددين: ٭ الأول طبيعة الوظائف التي كانت تضطلع بها هذه المساجد، فهي مخصصة لخدمة الذكور من أبناء المنطقة المقامة، وهؤلاء كانوا محدودين من ناحية العدد، بحكم انتشار السكان سواء على الوجهة البحرية للبلاد أم في الدواخل حيث الواحات والمناطق الزراعية.

٭ طبيعة المواد المستخدمة في البناء، والتي ما كانت لتسمح بامتداد البناء إلى ما يتجاوز الأخشاب المستخدمة في الأسقف، ولا تتيح الارتفاع إلى ما يتجاوز الأعمدة المستخدمة في هيكل البناء نفسه. وثمة عامل مهم لابد من تذكره، وهو أن هناك من الباحثين في مجال العمارة في سياقها المسجدي من يتحمسون لرؤية بروفسور أوليج جرابار التي توقع في إطارها أن تكون المساجد الصغيرة هي الشكل الأكثر انتشاراً للمساجد في قابل الأيام في بلاد المسلمين. صحيح أن رؤية بروفسور جرابار تحت بلورتها من خلال دراسته لعمارة الأحياء والبوادي في باكستان وبنجلاديش، ولكن دعنا نتذكر أن تطوير النسيج الحضري في مدن الإمارات لا يزال يتم عن طريق التوسع في امتداد الأحياء، وفي المناطق الفرعية التي يدعوها أبناء الإمارات في صيغة المفرد بالفريج، وهنا بالضبط يتحول مسجد الحي إلى قلبه النابض، وإلى النقطة الاشارية الأكثر بروزاً في نسيجه المعماري، وإلى المركز الذي يؤدي مهام وظيفية واجتماعية لا حصر لها. دعنا نبادر إلى إلقاء نظرة على مسجد خميس السويدي في أبوظبي كنموذج لهذه النوعية من المساجد.

وأول ما نلاحظه أن المسجد بمساحته المحدودة وحجمه الصغير يشكل جزءا من النسيج الحضري في المنطقة التي يقوم فيها. ومصممه يعمد إلى تخلص بارع في إبراز هوية المسجد من ناحية وتحقيق تماهيه واندماجه في النسيج الحضري المحيط به من ناحية أخرى. المسجد يحتفي بأبرز العناصر المعمارية المرتبطة بالصورة المسجدية في الذاكرة الجمعية للمسجد، حيث نجد المئذنة والقبة.

لكن هذين العنصرين يأخذان هنا أبعاداً لافتة للنظر حتماً، فالمئذنة تذكرنا على الفور تقريباً بالمنارات التقليدية في المساجد المغربية والأندلسية، حيث نجدها برجاً ركنياً، قوياً ينهض شامخاً وممتداً ليستدق في أعلاه وليتوج بقبة صغيرة تردد أصداء القبة الرئيسية التي تكتسي باللون الأبيض وتخلو من الحلي والزخارف إلا الهلال النحاسي التقليدي والمناور النافذة في رقبتها.

وشأن المساجد في المغرب والأندلس سنجد التوظيف المدهش لمادة الجص، التي تأخذ شكل شبكة بديعة باستطالة جزء لا يستهان به من بدن المئذنة والمداخل، وهكذا فإنها تدع النور ينهل إلى الداخل، ولكن بعد تصفيته وتحويله إلى ضياء يمتزج بالصفاء والسكينة.

لنا نجد في هذا المسجد أثراً للعرائس التي تزنر أطراف الأسقف، والخارج يبدو مغلقاً على الداخل، باستثناء فتحات محدودة ونوافذ تعلوها عقود مدوية هي البساطة ذاتها. هذه الخشونة وذلك التقشف في الخارج يمهدان لمشروع زخرفي بديع دونما تكلف ولا اغراق في قاعة الصلاة الرئيسية، ويعتمد هذا المشروع على الزخارف الهندسية والحشوات الخطية المتقنة وعلى تكامل عناصر الإضاءة الطبيعية والكهربائية معاً. لابد هنا من التوقف طويلاً عند حائط القبلة، حيث نجد المحراب بسيطاً تماماً، ويخلو كلية من الزخارف باستثناء أطر الزخرفة الهندسية وحشوة خطية بديعة تضم بعض آي الذكر الحكيم.

كامل يوسف - تصوير: سالم خميس