مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليهم وهو محط أنظار المسلمين في كل أنحاء العالم لأنه يضم بين جنباته القبر الشريف الذي شرف برقاد الجثمان الطاهر فيه علاوة على ما لهذا المسجد من أثر بالغ في حياة المسلمين والإسلام، ذلك المسجد الذي كان على رأس رواده جبريل أمين وحي السماء حيث يأتي ومعه الغيث الكريم من الذكر الحكيم.
يرجع تاريخ هذا المسجد العظيم إلى مراحل عدة، فلما انتهي الرسول من بناء مسجد قباء قفل راكباً ناقته القصوي المأمورة والناس معه عن يمينه وشماله وخلفه منهم الماشي ومنهم الراكب حتى دخل المدينة التي فرح أهلها بمقدمه صلى الله عليه وسلم فرحاً شديداً، وخرجت النساء والأطفال والكبار والصغار يرددون أناشيد الترحيب بسيد الخلق، وكانوا يعرضون عليه النزول في دارهم وهو يقول خلوا سبيل ناقتي فإنها مأمورة، فلما بركت الناقة نزل رسول الله وقال ها هنا المقام إن شاء الله، وكان ذلك مكان المسجد النبوي.وكان بجوار هذا المكان دار أبي أيوب الأنصاري حيث أقام النبي عنده سبعة أشهر، وكان المكان الذي بركت فيه الناقة مربداً لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار وكانا في حجرة سعد بن زرارة فساوم رسول الله في الثمن، فجاء الغلامان وقالا بل نهبه لك يا رسول الله فأبي الرسول إلا أن يشتريه منهما واشتراه بعشرة دنانير يومئذ، وكان فيه شجر ونخل وقبور المشركين، وهنا بدأ الرسول في إخلائه فأمر بقبور المشركين فنبشت وبالنخل والشجر فقطعت، ثم قام الرسول وصحبه ببناء المسجد بالطوب اللبن.
وكان الرسول ينقل الطوب والحجارة وجعل قبلته إلى بيت المقدس وظلت سبعة عشر شهراً، فلما حولت إلى الكعبة وكان ذلك في مسجد القبلتين أحد مزارات المدينة حتى الآن، بقي حائط القبلة مكان أهل الصفة وجعل له ثلاثة أبواب: باباً في مؤخرة الذي هو جهة القبلة اليوم وباب الرحمة وباب آل عثمان وهو المعروف اليوم بباب جبريل، وهذان البابان لم يغيرا بعد أن صرفت القبلة إلى الكعبة.كان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم صغير المساحة فقد كان طوله حوالي 53 ذراعاً، وعرضه 30، وكان محاطاً بجدار من اللبن أساسه من الحجارة، يبلغ ارتفاعه حوالي ثلاثة أذرع ولم تكن أرض المسجد مفروشة بشيء، فلما نزل المطر فرشوا الأرض بالحصى ليتحاشوا الطين..
ولم يكن للمسجد سقف إلا ناحية منه أقيمت بها أعمدة من جذوع النخل وسقفت بالجريد إذ كان يعيش بها أهل الصفة الذين تفرغوا للعبادة ومذاكرة الدين معرضين عن ترف الحياة وزينتها، وكان سقف بيوت الرسول التي تحيط بالمسجد غير مرتفع.. يقول الحسن بن أبي الحسن كنت أدخل بيوت الرسول فأنال السقف بيدي وكان الرسول يبني حجرة لكل زوجة يتزوجها تضم إلى حجرات أمهات المؤمنين.
ولما فرغ الرسول من بناء المسجد بني بعائشة أي تزوجها في البيت الذي بناه لها شرقي المسجد، ويحدد المسجد النبوي حسب الراجح من الأقوال: من جهة القبلة: الحائط القبلي الذي كان بينه وبين مصلاه الشريف ممر الشاة، ومن الشام ما يحاذي يمني باب جبريل، ومن المشرق فيما يلي الأسطوانة الرابعة من المنبر المعروفة بالتوبة بنحو ذراعين من جهة الحجرة الشريفة، ومن المغرب الاسطوانة الرابعة من المنبر أيضاً، فتلخص من ذلك أن موضع الجدار عند الاسطوانة الرابعة من الجهتين هذا كله في البناء الأول.
وأما بناؤه الثاني فقد كان في عهده> عند مقدمه من غزوة خيبر فترك المسجد على حده الأول من القبلة ولكنه زاد فيه من ناحية الشرق إلى الأسطوانة التي دون الرابعة التي عند القبر وهي اللاصقة اليوم بالشباك، ومن المغرب إلى الاسطوانة التي دون الرابعة في المغرب.
ولم يزد أبو بكر رضي الله عنه في المسجد لانشغاله بالفتوحات فلما ولي عمر رضي الله عنه زاد في توسعاته فأدخل فيه دار العباس بعد مراودة بينهما، كما أدخل فيه ما حوله من الدور التي اشتراها من ذويها، وكانت زيادة عمر من جهة المغرب اسطوانتين نحو عشرين ذراعاً، ومن جهة القبلة الرواق المتوسط،.
ومن جهة الشام ثلاثين ذراعاً. وفي سنة أربع من خلافة عثمان رضي الله عنه وذلك سنة تسع وعشرين زاد فيه زيادة كبيرة وبني جداره بالحجارة المنقوشة وجعل سقفه بالساج، وفي عهد الوليد بن عبد الملك أمر عمر بن عبد العزيز أمير المدينة ومكة أن يقوم بتعمير المسجد النبوي.
وأرسل الوليد إلى ملك الروم وطلب منه عمال وفسيفساء فأرسل الملك عمالاً وثمانين ألف مثقال من الذهب وبأحمال من الفسيفساء والسلاسل للقناديل وتمت توسعة المسجد وأدخل القبر الشريف فيه، وهذا أول مرة تقام فيه الأعمدة بالحديد والرصاص ونقش حيطانه بالفسيفساء والمرمر والسقف من الساج وماء الذهب، وجعل للمسجد أربع منارات في كل ركن واحدة.
وقد هدمت أحداهما، وظل المسجد على هذا حتى كانت سنة 607 هـ حتى أمر السلطان الناصر بن قلاوون بإنشاء المنارة الرابعة، ثم توالت الزيادات التوسعية في مسجد رسول الله بعد ذلك من المهدي وقايتباي ثم السلطان عبد المجيد خان، ثم أدهم باشا، وراشد افندي، ثم السلطان سليم خان بن السلطان عبد المجيد وظلت التوسعات تتوالى وتتعاقب على مر العصور إلى أن ازدهرت تماماً على أرفع مستوى معماري وحضاري في عهد الملك عبد العزيز آل سعود وأولاده من بعده إلى عصرنا الحاضر في عهد الملك فهد بن عبد العزيز الذي يشهد تطوراً عظيماً في التوسعات الكبيرة سواء في المسجد النبوي أو في المسجد المكي.


