أكد د. طه أبوكريشة نائب رئيس جامعة الأزهر السابق أن الإنسان الفرد في هذه الإسلام على أن ينظم العلاقات بين الأفراد في المجتمع بشكل يضمن الخير لكل الإنسانية.

وشدد أبوكريشة على أنه لكي يصل المسلمون إلى غاية الإخاء، لابد وأن يلتزم المسلم بالقواعد التي أرستها الشريعة الإسلامية في هذا الإطار، وباتباع هذه السلوكيات الإنسانية يتكون لدى كل المسلمين ما يطلق عليه السلوك الحضاري في العلاقات الاجتماعية، خاصة وأنه بغياب هذه السلوكيات يفتقد المجتمع إلى الأمن النفسي والاجتماعي. وخلص إلى أن الإسلام في تعاليمه وقيمه الإنسانية يؤكد بما لا يجد مجالاً للشك أن هذه الشريعة تتسم بالصبغة العالمية، والدين الإسلامي هو دين عالمي لا يحده مكان أو زمان.* الإسلام دين السلوك الحضاري إلا أن الاتهامات كثرت على عكس الحقيقي.. فكيف يكون الإنسان المسلم أداة لتصحيح هذه المفاهيم؟

- يجب على المسلم أن يتصف بالسلوك الحضاري والالتزام بالإيجابيات والابتعاد عن السلبيات، ولا يجرح المسلم أخاه الإنسان أو يخدش إحساسه، فالأصل في بناء الحضارات هو العلم، ودون علم فلن تكون هناك حضارات والعلم المقصود به هنا هو الفهم والموازنة والتحليل، وتكوين الشخصية العلمية، و رسالة الإسلام لها هدف وغاية تتبين لنا من قول الله عز وجل في كتابه «لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً مِن أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة .

وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين» والتزكية هنا تعني الارتقاء بالمشاعر الإنسانية، وعندما نقول ان الإسلام والسلوك الحضاري في العلاقات الاجتماعية فإننا لابد وأن نشير إلى أمر بديهي هو أن الإنسان الفرد في هذه الحياة لا يمكن أن يعيش وحده منعزلاً عن المجتمع الذي يعيش فيه، سواء أكان هذا المجتمع على المستوى الأصغر (مجتمع الأسرة) أو كان على المستوى الأكبر (خارج ميدان الأسرة).

مستوى التواصل

* عمومية التحضر والتعارف في الإسلام.. كيف تراه؟

ــ إن الإنسان الفرد جزء من الأسرة والأسرة هي جزء من المجتمع، فهناك تشابك وهناك ترابط لابد منه لأي فرد ولابد وأن يكون هناك علاقات، لابد وتوافق وتعارف، وهنا يأتي دور الإسلام في أن يحدد مستوى هذا التواصل والتعارف والتآلف، وكأنه خلق واحد يجمع سائر الأفراد في رباط واحد أو على قلب واحد أو في جسد واحد.

كما عرفنا ذلك من قول النبي «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» وشبك عليه الصلاة والسلام أصابعه بعضها ببعض، وكما قال عليه الصلاة والسلام «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» وكما قال رب العالمين قبل ذلك «إنما المؤمنون إخوة».

* كيف يصل المسلمون إلى غاية الإخاء؟

ــ لكي نصل إلى غاية الإخاء والبنيان الواحد المرصوص والجسد الواحد الذي لا يستطيع أن ينفصل فيه عضو عن بقية الأعضاء، فلابد وأن يلتزم المسلم بتلك القواعد الأخلاقية الإنسانية التي بينها لنا الإسلام من خلال كتاب الله عز وجل، وسُّنة رسول الله وبذلك يتكون لنا ما نطلق عليه السلوك الحضاري في العلاقات الاجتماعية وما لم يكن هناك سلوك حضاري في العلاقات الاجتماعية فإننا لن نوفر لأنفسنا الأمن النفسي ولا الأمن الاجتماعي داخل المجتمع الإسلامي، فإذا فُقد الأمن، فُقد ما يترتب عليه من صلاح الدنيا والآخرة.

وإذا أردنا أن نتعرف على السلوك الحضاري في العلاقات الاجتماعية، فإننا نستطيع أن ننظر إلى أي فرد منا، لننظر إليه وهو يسير في طريقه وحين يلتقي بإخوانه وحين يكون في بيته أو مدرسته أو في موقف سؤال وإجابة نراه يتصرف على مستوى حضاري في كل ما يصدر عنه من قول، وفي كل ما يصدر منه من عمل، ولذلك يكون مُطبقاً لتعاليم ربه سبحانه وتعالى.

* اتباع قيم الإسلام هو ذات التحضر.. هل ترى ذلك؟

ــ السلوك الحضاري في تصرفات الفرد يجب أن يكون مُطبقاً لسّنة رسول الله، والفرد المسلم يجب أن يكون كما قال تعالى «ولا تُسَعّر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير» .

وكذلك قوله «ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته فالرجل راعٍ ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية ومسؤولة عن رعيتها»، وقول النبي «لا تحقّرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقي أخاك بوجه طليق» و«تبسمك في وجه أخيك صدقة» وعلى هذا النحو وجب أن تكون هيئة المسلم وهو يسير في طريقه، وهو يلتقي إخوانه المسلمين، وكما جاء في معنى قوله «ثلاث من حق المسلم إذا لقيته فسلم عليه.

وأن توسع له في المجلس وأن تدعوه بأحب الأسماء إليه»، وأضاف إن المسلم يجب أن يتصرف بسلوك حضاري في أي مجلس يجلس فيه مُحققاً لقوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءُ من نساء عسى أن يكن خيراً منهم ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب، بئس الأسم الفسوق بعد الإيمان» فلابد أن يتجنب المسلم هذه الأمور السلبية ولابد أن يكون متصفاً بتلك الأمور الإيجابية التي يوضحها الله عز وجل «وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن، إن الشيطان ينزغ بينهم، إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً» طيبة حسنة.

* للأسف الشديد.. باتت البذاءة والقباحة في كلمات المسلمين ملحوظة.. فما هي الأسباب؟

ــ شدد الإسلام على ان تكون كلمة المسلم كلمة طيبة حسنة، لا تجرح شعوراً ولا تخدش إحساساً، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: «لا يحب الله الجهر بالسوء إلا من ظُلم، وكان الله سميعاً عليماً» ومن السلوكيات التي يجب أن يتعامل بها المسلم مع الآخرين، قوله «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج رجلان دون الآخر»، والحديث الشريف صريح في أن المناجاة - أي الكلام يكون سراً بين الاثنين دون الآخر – ويكون منهياً عنه، لأن التحادث يدخل على قلب الجليس الثالث الوحشة والريبة فيتألم ويحزن.

ومن هذا القبيل أن يتكلم اثنان جهرة بصوت مرتفع بلغة يجهلها الثالث، مع اشتراكهم في معرفة لغة أخرى، فهذا هو السلوك الإسلامي الحضاري الذي نادى به الإسلام منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، فإنه يجب أن يكون المجلس مُطبقاً لهذه القاعدة العامة «يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون» .

على هذه الصورة من البناء الحضاري لابد وأن يكون المسلم ملتزماً بالإيجابيات مُبتعداً عن السلبيات، ومن السلوك الحضاري أيضاً الذي ينبغي أن يتصف به المسلم تجاه الوالدين قوله تعالى «وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفٍ ولا تنهرهما، وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً».

* وماذا عن بر الوالدين المفقود؟

ــ أمر وحكم الله سبحانه وتعالى أن يعبد وحده، وقرن هذا الأمر بالإحسان إلى الوالدين وبرهما، فإذا كبر أحدهما أو كلاهما، فلا يجوز أن يقول الابن لهما أي قول يكدر خاطرهما، حتى التأفف وهو أدنى مراتب التضجّر والتضرر، فلا يصح أن يغضبهما ويتذلل لهما، فهما أولى بكل شفقة ورحمة وعطف فللوالدين على الإنسان حقوق يجب أن تؤدي وواجبات يجب أن تقضي منها الطاعة واجتناب ما يضرهما، واحترامهما والإنفاق عليهما وتنفيذ عهدهما والاستغفار لهما بعد وفاتهما، فهذا سلوك حضاري ينبغي أن يتصف ويتعامل به المسلم.

حسن الأدب

* أثير في الآونة الأخيرة عدة قضايا يعتدي فيها على الخدم.. كيف نظم الإسلام هذه العلاقة؟

ــ حدد الإسلام السلوكيات الإسلامية للمسلم في معاملته للخدم، حيث شدد على ضرورة أن يتم معاملتهم بإنسانية الإسلام، والنبي يرشدنا وهو الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه وبعثه ليتمم مكارم الأخلاق «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» فقد كان القدوة الكريمة في معاملة الخدم والإحسان إليهم، فقدّر في المجتمع وضعهم، ورفع المهانة الواقعة عليهم، وطبق عليه السلوك الحضاري للإسلام عملاً وقولاً، فرفعهم إلى صفوف الناس، ورد إليهم ثقتهم في إنسانيتهم، وحث علي الرفق بهم، وكرر الوصاية بحسن معاملتهم.

فهو الذي يقول «لا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي، وذلك جبراً لخاطرهم، وتقديراً لشعورهم»، ويقول «إذا أتي أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقُمة أو لُقمتين، فإنه ولي علاجَه» أي قام بتجهيز الطعام وإعداده، وتعلقت نفسه به، ويقول أيضاً «إخوانكم حولكم» أي الخدم الذين يخدمونكم ليسوا عبيداً ولكنهم إخوان لكم «فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتوهم فأعينوهم» أي ساعدوهم في إنجازه.

* غياب لغة الحوار القويم في الشارع بين الآباء والأبناء والمعلم والمتعلمون، من يسأل عنه؟

ــ ربط الإسلام أدب المجالسة والتحاور بالسلوك الحضاري الذي يجب أن يتصرف به المسلم وكذا أدب العلم والتعلم، بقوله: «إن من آداب الإسلام أن يوسع المسلم لجليسه إذا أقبل عليه»، وعليه أن يلتزم معه بالأدب والوقار إذا كان أكبر منه سناً وخاصة إذا كان أباً أو أستاذاً له.

وقد أشار الله سبحانه وتعالي (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم) أي إذا قدم عليكم جماعة من الناس فوسِعوا للقادمين مُسرعين، سواء أكان المجلس مجلس علم أم عبادة، لأن ذلك يكون سبباً للتودد والتحاب والمعنى وإذا قيل لكم انهضوا للتوسعة للقادمين عليكم في المجلس فانهضوا وأسرعوا فإنكم إن فعلتم ذلك يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أُوتوا العلم درجات عظيمة، جزاء امتثالهم لأمر الله تعالى في توسعتهم لإخوانهم في مجالسهم ولا تخفى على الله خافية من أعمالكم فيجازيكم بالخير خيراً وبالشر شراً، فهذا هو السلوك الحضاري والذي هو روح الإسلام يبدو فيه الأدب الجميل والذوق الرفيع الذي ينادي به الإسلام دائماً.