صاحب صوت إنساني فضفاض يستوعب أي إنسان على اختلاف لغته وموسيقاه.. هكذا وصفته هيئة الإذاعة البريطانية في حلقة خاصة عنه، وروعة أدائه أغرت المستشرق الألماني «كولن» ليخصص له جزءا كاملا في كتابه «الموسيقي الشرقية»، وصوته المميز دفع الباحث الأميركي «مايكل فروشكوف» لتخصيص دراسة كاملة عن أدائه الصوتي، وأخيرا هو بطل أطروحة جامعية تقدم بها أحد طلاب الماجستير بكلية اللغة العربية حول الشعر الصوفي.

ياسين التهامي أحد أشهر أركان دولة الإنشاد والابتهال الديني في العالم الإسلامي، عبقرية فنية مالكة لزمام أمرها تنسب إليه رسالة ماجستير في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر عن الشعر الصوفي، وله فضل كبير في إحياء دور الشعر الصوفي وجعله على ألسنة العامة قبل الخاصة، فقبله كانت قصائد المتصوفة من خواص الخواص؛ مكانها بطون الكتب أو حلقات الذكر ومجالس شيوخ الطرق؛ فجاء التهامي بإنشاده لها في الموالد والميادين والحفلات، ليجعله شعرا مستساغا على ألسنة العوام في القري والنجوع والأرياف أشبه بالفولكلور الشعبي.

ميلاد ونشأة ولد المنشد والمبتهل ياسين التهامي في 7 ديسمبر سنة 1949 بقرية الحواتكة بمحافظة أسيوط في صعيد مصر، ونشأ في بيئة دينية عرفت بالتصوف والعناية بالنشيد الصوفي، وكان والده الشيخ تهامي حسنين من الصالحين، وعكف منذ صغره علي حفظ القرآن الكريم، وتعرف خلال هذه الفترة على عمالقة الشعر الصوفي أمثال عمر بن الفارض ومنصور الحلاج ومحيي الدين بن عربي وغيرهم.

وكان لهذا أكبر الأثر في ولوجه باب الشعر الصوفي منشداً فيما بعد، إلا أنه لم يكمل دراسته الثانوية بالأزهر الشريف، ليبدأ حياته بالإنشاد الديني في الموالد والحفلات الدينية بقرى ونجوع الصعيد حتي سطع نجمه في منتصف السبعينيات، ليصبح نجم الإنشاد الديني الأول في مصر منافساً بذلك الشيخ أحمد التوني سيد هذا الفن في ذلك الوقت، خاصة لدى أهل الصعيد الذين أصبح ملبس وهيئة ياسين «موضة» شبابهم، الذين أصبحوا يعلقون صوره وألبوماته مثلما يعلق شباب المدن صور «عبد الحليم حافظ».

لم تقتصر شهرة ياسين التهامي على صعيد مصر أو حتي مختلف أقاليم مصر، بل ذاع صيته خارج مصر والعالم العربي، حيث عكف على إحياء عدد كبير من الحفلات في لندن وباريس وفي ألمانيا وهولندا وأسبانيا وفنلندا والولايات المتحدة الأميركية وغير ذلك من مدن وعواصم دول العالم، خاصة في مهرجانات الموسيقى الروحية.

والمعروف عن ياسين التهامي حبه للارتجال في أدائه التصوفي، حيث لا يحبذ التقييد بالنصوص في الإنشاد الصوفي الذي يعد حالة من الهيام والذوبان في حب وعشق الله تعالى، ومن ثم فكل ما يقال وينشد ويغني هو في الأساس فتح من الله تعالى عليه لا يحتاج فيه إلى تقيد بل يرتجل في أدائه بعيدا عن قيود اللحن أو الكلمات.

وإن كان ذلك كله لا يعني أبدا عدم إجادته للإنشاد النمطي بل علي العكس فهو قدير أيضا في هذا التوجه، فإنه على الرغم من أنه لم يحصل على دراسات أكاديمية أو علمية يمكن اعتباره أفضل منشد عربي في علاقته مع الموسيقى وتوظيفه لها في الإنشاد؛ فهو يتعامل مع المقامات الموسيقية بحساسية نادرة، ويتنقل فيها، ويزاوج بينها بمهارة لم يعرفها المنشدون الدينيون، وربما لا يوازيه في هذه الموهبة سوى المطرب العملاق صباح فخري.

لون جديد يتفق الموسيقيون أن التهامي استطاع عن جدارة أن يبتدع بهذه الموهبة لونًا جديدًا في الإنشاد الديني لم يكن موجودًا من قبل، حيث حرصه على المزاوجة بين إيقاعات النغم الشرقي الأصيل والنغم الشعبي، وكذلك بإدخاله الآلات الموسيقية على اختلاف أنواعها في هذا الفن، وقدرته على التنوّيع من المقامات الموسيقية المتعارف عليها؛ فطوّر بذلك في الإنشاد الديني، وميزه عن أنواع مختلفة قد تتداخل معه؛ مثل الابتهال الديني الذي قدمه كبار المنشدين من أمثال النقشبندي ونصر الدين طوبار وطه الفشني، ليس على مستوى الكلمة فقط.

ليس هذا فحسب، بل استطاع أن يجدد في لحنه وشكل أدائه لهذه الأناشيد والابتهالات؛ فقد ظل الابتهال أقرب للدعاء والمناجاة، ولا يرتبط فيه المبتهل بإيقاع بعينه، بل هو حر في أغلب الأحيان، وتصاحبه دائمًا بطانة تردد خلفه من دون موسيقى غالبا، بينما نجح التهامي في تطوير لون جديد من الإنشاد، يعتمد على إدخال المقامات الشرقية بما فيها المقامات المهجورة على القصائد الدينية والتنويع بينها.

وكذلك الآلات الموسيقية على اختلافها من كمان وناي وقانون وأكورديون، ومزج بين إيقاعات النغم الصعيدي وإيقاعات النغم الشرقي الأصيل، كما اختلف أيضا في طريقة الأداء التي تعتمد أساسا علي العلاقة مع الجمهور وتقوم علي التفاعل والتأثير المتبادل، خاصة أنه يقدم في الميادين والموالد والشوارع مباشرة إلى الجمهور.

موسيقى التهامي رغم جمالها إلا أنها تبدو وكأنها تسير على غير قاعدة، وأحيانا متشابهة في أغلب ما ينشده؛ فإن هذا يصدق فقط على الاستهلال، أما فيما بعد الاستهلال تكون أكثر انتظاما، ولكل قصيدة موسيقاها الخاصة بها، حتي إن بدت للوهلة الأولى متشابهة، وفي معظم الأحيان تفرض القصيدة المقام الموسيقي الخاص بها، والذي قد يتغير في القصيدة الواحدة.

فهناك قصائد تغير مقامها ولحنها الآن من مرحلة عمرية لأخرى ومن مكان لآخر، وكثيرا ما يدخل تغييرًا ليس على المقام الموسيقي فقط، بل وعلى مستوى الكلمات وأبيات القصيدة نفسها. طاقة هائلة يؤكد الموسيقيون المهتمون بهذا الفن الغنائي أن ياسين التهامي من القلائل الذين يملكون طاقة ومساحة صوتية هائلة، للدرجة التي أغرت الباحث الأميركي «مايكل فروشكوف» بتخصيص دراسة كاملة عن أدائه الصوتي.

ودفعت المستشرق الألماني «كولن» إلى أن يفرد له قسما مستقلا في كتابه عن الموسيقى الشرقية؛ باعتباره مرتجلا لنغم صوفي جديد من دون تعليم أو دراسة أكاديمية، موضحين أن صوته هو ما أتاح له إنشاد أصعب القصائد بمقامات لم يؤكدِ عليها إلا كبار الفنانين، من أمثال: ناظم الغزالي وأم كلثوم وصباح فخري.

وأشاروا إلى أنه في أدائه أقرب إلى البوح، الذي يخوض في مساحات واسعة في النفس الإنسانية، تجعله يؤثر في ذاته دون معرفة معني الكلمات أو حتي اللغة العربية نفسها؛ فهو صوت إنساني بامتياز يحسه كل من يسمعه حتي ولو لم يكن يفهمه، ومن ثم كان أول ما وصفته به هيئة الإذاعة البريطانية في حلقة خاصة أنه «صاحب صوت إنساني فضفاض يستوعب أي إنسان على اختلاف لغته وموسيقاه».

وأنه بعد أن أحيا ليلة كاملة في مهرجان الموسيقى الروحية الذي تستضيفه العاصمة البريطانية «لندن» كل عام، علق بعض الحضور بأن «صوته وألحانه تفتح في النفوس طرقًا من النور والإيمان»، واختصر مقدم الحفل ليلتها كلمته قائلا: «ياسين شيء مختلف لا نستطيع تقديمه؛ لذا فمن الأفضل أن نتركه يقدم نفسه من خلال غنائه وموسيقاه وشكل أدائه الذي يشبه البوح».

والمعروف في عالم الموسيقى أن الصوت يبلغ قمته وطاقته في التأثير حين يتكامل مع شكل أداء صاحبه المميز، هكذا جاء نجاح وتفرد التهامي، حيث الصوت القوي والأداء المتميز، حتي إن باحثة بريطانية تدير مركزا للعلاج النفسي في لندن قدمت لمصر لإعداد دراسة سيكولوجية عن إنشاده كطريقة للعلاج النفسي، تسعى لتطبيقها في مركزها الخاص للعلاج النفسي في لندن.

وحين قابلته في ليلة مولد العارف بالله عمر بن الفارض، بعد أن استمعت له بعجب شديد رغم أنها لا تعرف من اللغة العربية شيئًا، معلنة أنها لا تحتاج فهم هذا الكلام النابع من القلب؛ وأنها تشعر به وهذا يكفيها. استحضار الحالة يعتمد التهامي في إنشاد على أسلوب فريد له خصوصيته؛ إذ يحرص دائما على التواصل المستمر بينه وبين فريق اللحن والجمهور وطبيعة وأجواء الزمان والمكان.

وهو في ذلك يبحث دائما عن ما يسميه «استحضار الحالة»؛ حيث التفاعل المستمر وتبادل المشاعر والأحاسيس مع الجمهور وانفعالاته؛ لذلك فهو لا يقوم بالإنشاد داخل استوديو، وإنما في الموالد واللقاءات المفتوحة مع الجمهور؛ لأن التسجيل في الاستوديو برأيه أقرب إلى الغناء «الاستهلاكي» الذي يُعد مسبقًا للجمهور، كذلك هو أيضا لا يقوم بأي بروفة للحن أو لكلمات ما ينشده من قصائد.

بل يأتي عفوًا ومن تلقاء نفسه أو حسب ما يسميه «الحالة». التهامي عندما يغني يرتقي المسرح، وهو في ذلك يحاول أن يختار من قصائد الصوفية ألْيقَها بالمقام، إلا أنه في الغالب يحدث أن الحالة هي التي تلهمه اختيار القصيدة وكذا اللحن، وهما متغيران بحسب «الحالة»، ويبدو ذلك واضحا من تغير لحن وكلمات القصيدة الواحدة.

فكثيرا ما أنشد القصيدة الواحدة علي أكثر من لحن أو مقام، وربما أنشد على المقام الواحد أكثر من قصيدة، وربما غيّر في القصيدة الواحدة والمقام الواحد بحسب الحالة التي ينشد فيها، والتي يخلقها الزمان والمكان والحدث والناس من حوله أو حالته الشخصية أيضًا التي تتدخل في ذلك، لذلك مرات تأتي القصيدة ترقص طربًا، ومرات أخرى تأتي هي نفسها تقطر حزنًا كالنشيد الجنائزي.

بداية من جمهور الموالد والطرق الصوفية وهم القطاع الأكبر، انتهاء بشريحة من أبناء النخبة الباحثين عن الروحانيات أو الغرائبية أو الجذور في مواجهة تيار العولمة المكتسح حتي لأغانينا، هم جمهور التهامي المحبون لفنه والمقبلون عليه بلا هوادة، هذا الجمهور ذو التركيبة الفريدة مثل شكل وطريقة إنشاده؛ فهذا الجمهور يضم شرائح متنوعة ومتناقضة تشمل كل درجات السلم الاجتماعي والثقافي، إلا أن القاسم المشترك بينه هو الإحساس العميق بالكلمة، والإحساس بالشيء نصف فهمه.

نصفه الآخر أما النصف الآخر للفهم فيأتي من المشاركة في الغناء كجزء من «الحالة»؛ لذلك لهذا المنشد المبتهل جمهور كبير في حفلاته بالبلاد الأجنبية من خلال مهرجانات الموسيقى الروحية، على الرغم من أن الغالبية العظمى من الحضور في هذه الحفلات كانوا أجانب لا يعرفون العربية، فضلا عن صعوبة فهمهم لمعاني الشعر الصوفي، إلا أنهم في حضورهم تجدهم هائمين يغلب عليهم التركيز والإنصات؛ فهم لا يبحثون في معنى ما ينشده بقدر ما يحسونه ويشعرونه.

وعن علاقته بهذا الجمهور، فالفاعلية هي عنوان هذه العلاقة، تلك التي تصنع خصوصيته، أو ما يسميه بالحالة التي يشاركه فيها الجمهور بالإنشاد أقرب إلى جلسات العلاج النفسي أو رحلات السمو الروحاني؛ لذلك يخشى المطربون من الغناء معه أو بعده؛ لأن طريقته تجذب الجمهور وترهقه، وتسيطر عليه تماما طوال عدة ساعات تحول دون إمكانية تواصله مع من يأتي للإنشاد أو الطرب بعده، ولهذا السبب دائمًا ما ينشد منفردًا أو في نهاية الحفلات.

أما القصائد والأناشيد، التي يحرص ياسين التهامي على إنشادها فيأتي معظمها من قصائد وأشعار المتصوفة، التي تربطه بها علاقة عشق، خاصة وإنه ولد وتربى في أجواء التصوف، وشب على حلقات الذكر، وممن ينشد لهم عبد القادر الجيلاني وعبد الكريم الجيلي والحلاج ومحيي الدين بن عربي وأبو معين الغوث وعمر بن الفارض الذي أنشد تائيته الشهيرة ذو الخمسمائة وسبعة وثلاثين بيتا، وذلك على مختلف مراحل عمره الفني المختلفة، الذي قارب الثلاثين عاما، فهو لا يخرج عن عيون الشعر الصوفي إلا نادرًا.

وإذا ما أنشد لغير المتصوفة فيكون إنشاده للشعراء أصحاب ذات نفس الروح والمشاعر والعاطفة القوية؛ مثل: الأمير عبد الله الفيصل وعبد الله البردوني وعلي عبد العزيز وأحمد شوقي وعلية الجعار والأخطل الصغير، وطاهر أبو فاشا، ومن القدماء المتنبي وأبو فراس الحمداني ورابعة العدوية؛ فالمبدأ عنده هو روح القصيدة وليس شخص صاحبها.