ولا نزال مع سورة «الرحمن» سورة الميزان والتوازن وقد تحدثنا عن أثر الصلاة وأثر الصيام في إحداث التوازن المطلوب، واقتطفنا شيئاً من حديث الشيخ محمد سويد في أن رمضان ليس مطبخاً لصنوف الطعام المختلفة التي نتبارى في تقديمها على الموائد عند الإفطار وإنما هو مطبخ للفكر، تطبخ فيه بدل «المحمرات» و«المشاوي» خطوط الإصلاح والانطلاق إلى العمل المثمر الخلاق.
عجباً لمن يعتبرون أنفسهم في أداء لفريضة الصوم وهي إصلاح وتهذيب للأخلاق ومع ذلك تجدهم في قطيعة للأرحام وفي تنابذ بالألقاب مع آخرين وسب وشتم وهرج ومرج بسياراتهم عقب الإفطار في معاكسة للنساء عبر الطرقات بدلاً من أن يكونوا في المساجد لأداء صلاة العشاء والتراويح وتلاوة القرآن، صدقوني أن شيئاً من هذا يحدث في كثير من مدننا الإسلامية ولماذا أقول لكم صدقوني وأنتم شهود عيان لهذا الذي أحدثكم عنه.إننا بهذا الذي يحدث نجعل من شهر رمضان شهر اختلال التوازنات بينما العكس هو الذي ينبغي أن يحدث، وعلينا أن نسأل أنفسنا لماذا اختص شهر رمضان من دون شهور العام الأخرى بالصيام؟ ومن منطلق إجابتنا الصحيحة عن السؤال يكون العمل المتوازن. فإذا جئنا إلى الزكاة فإن التوازن أمره معروف فيها وهو إحداث التكافل الاجتماعي بين الفقراء والأغنياء.
وكل المجتمعات في العالم تتكون من طبقتين.. أغنياء وفقراء، ودائماً ما يفوق عدد الفقراء عدد الأغنياء، وهذه قاعدة متعارف عليها ولذلك يأتي أخذ الأموال من الأغنياء لتعطى إلى الفقراء ليحدث التوازن الذي يزيل الأحقاد والجفوة بين الطبقتين الاجتماعيتين.
وهناك أمر مهم يجب ملاحظته، بل هو من الأهمية بمكان ـــ كما يقول محمد عادل القلقيلي ـــ هذا الأمر هو ملاحظة الأسلوب الذي فرضته الشريعة الإسلامية على الغني حين يقدم للفقير زكاة ماله فقد ألزمته الشريعة بإعطاء هذه الزكاة عن طيب نفس وفي شعور بالمودة والإخاء لا الاستكبار والمن والأذى أو الاحتقار.
قال تعالى: «الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. قول معروف ومغفرة خيرٌ من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم» سورة البقرة ـــ الآيتان 262 و263.
فإذا نظرنا إلى شعيرة الحج، وجدنا أنها تعيد التوازن الأكبر من الاختلالات التي تحدثها لدينا تراكمات الذنوب، صغيرها وكبيرها، فالحج المبرور يتحرر فيه الحاج مما أثقل كاهله من الذنوب، وهذا ما يؤكده الصادق المصدوق نبي الرحمة، قال عليه الصلاة والسلام: «من حج ولم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه».
والإنسان يولد خالياً من الذنوب ومعنى الحديث أن من كان حجه مبروراً، خالياً من كل التجاوزات، يعود منه وصحائفه خالية من الذنوب، فهل من توازن أكبر وأعظم من ذلك؟ حقاً انه التوازن الأكبر، فهل نحرص على أن نفوز بهذا التوازن، وهو لا يكلف أكثر من أن نصون أنفسنا الأمارة بالسوء من الرفث والفسوق، والحج إلى جانب ذلك هو مؤتمر جامع للتعارف والتواصل والإخاء في الله، فهل نستفيد من هذا المؤتمر السنوي؟
ولكن أنى لنا ذلك إذا كنا على نطاق الجوار لا نتعارف وهذه مصيبة ومحنة كبرى يعيش الجيران غرباء عن بعضهم البعض، وحتى في المساجد لا تجد حلقات تعقد للتعارف والمذاكرة بين الصلوات.. تجد المجموعات يلتقي أفرادها في مسجد بعينه، قل هو مسجد الحي في الصلوات الخمس ولا يعرف بعضهم أسماء بعض، وان غاب أحدهم عن المجموعة بسفر أو مرض لا يعرف الآخرون عنه شيئاً، ونحلم بعد ذلك بتعارف في الحج؟ إنه والله اختلال ما بعده اختلال في حياتنا الإسلامية المعاصرة.
فإذا انتهينا من أثر العبادات في التوازن، فهناك جانب آخر لهذا التوازن هو ما نهي عنه من المحرمات، كالربا والزنا والخمر والميسر وقتل النفس والغيبة والنميمة والبهتان والظلم وغير ذلك، فإذا نظرنا إلى مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة نجدها ملوثة تلوثاً تاماً بهذه المحرمات ومن أجل ذلك كان هذا الاختلال المؤسف الذي جعلنا نهون عند أعدائنا فلا يهابوننا بل العكس نحن الذين نرتجف فرقاً منهم، وبين هذه المحرمات جميعها يبرز الربا كأكبر معوق للتوازن في حياتنا.
وليس معنى هذا أن المحرمات الأخرى ليس لها أثر يذكر، كلا ولكن الربا نقدمه بما صوره الخالق جل شأنه. قال تعالى: «الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، وأحل الله البيع وحرم الربا، فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم» سورة البقرة ـــ الآيتان 175 ـــ 176.
تحذير ووعيد من المولى عز وجل، مما يدل على بشاعة هذا الربا الذي انغمسا فيه في زماننا هذا حتى النخاع ومن أجل ذلك اختلت موازيننا في الحياة. حدثني أحد الإخوة أن أبناءه الذين صاروا رجالاً ودخلوا معترك الحياة العملية كأن يؤمل أن يعينوه في ظروف الحياة المعيشية ولكنهم بدلاً من ذلك كانوا يتوجهون إليه لمساعدتهم في ديون تورطوا فيها.
ولما تحرى الأمر وجد أن هذا الاختلال وعدم التوازن في حياتهم العملية سببهما تورطهم المستمر في قروض ربوية، ينتهون من قرض ليدخلوا في قرض جديد فأكلت خضراءهم هذه الفوائد الربوية وهذا نموذج ومثال واحد لعشرات بل قل مئات من الشبيهات له ولا حول ولا قوة إلا بالله.

