كان يراه ممتداً على مدى النظر أمامه فتثور في نفسه الكثير من الأسئلة معمقةً الغموض الذي يحيط به ويكتنف أسراره. هو لم يرتده كما فعل آباؤه وأجداده وأغلب من عاش على هذه الأرض في زمن كان فيه هو المصدر الرئيسي وشبه الوحيد للرزق. لكنه وُلِد ونشأ على ساحله فاستنشقت رئتاه الهواء المشبع برائحته منذ أن كان في المهد وليدا.
إنه البحر الذي نشأت بينه وبين ذلك الطفل علاقة لا يعرف كيف يصفها وإن كان يعرف أنها رابطة لا يمكن أن تنفصم أبداً.كان يرى السفن وهي تعبر مدخل الخور لتتخذ طريقها إلى إحدى ضفتيه حيث تلك المنطقة التي تعج بالحركة وتنبض بالحياة لتصبح مدينته منذ القدم واحدة من أكثر المدن جذباً للبشر.
يرى كل هذا فيستحضر قصص السندباد ورحلاته العجيبة. يذهب بعيداً إلى تلك البلاد التي أقلعت منها هذه السفن وتلك التي ستكون محطتها القادمة. يتصور السفن نفسها مدناً لكل منها مذاق خاص ورائحة مختلفة. يحسد أولئك الذين يبحرون عليها، ويتمنى لو أبحر هو ذات يوم على ظهر واحدة منها ليكتشف هذا العالم المدهش الذي طالما ألهب مخيلته.
لم يكن البحر يعني له مجرد امتداد مائي قدر ما كان امتداداً إنسانياً وضع فيه من نفسه شيئاً كما وضع البحر في نفسه وكيانه وروحه الكثير. لذلك ظل البحر أليفا إليه وظل هو قريباً من البحر في ثورته وهدوئه.
صحيح أن هذه الثورة لم تكن تبدو عليه في كثير من الأحيان نظراً لطبيعته الهادئة التي يحسده الكثير ممن يعرفونه عليها، لكنها ثورة تضطرب داخل النفس وتشتد رياحها حتى تكاد تقتلع الكثير مما يؤمن به ويعتقد أنه من ثوابت الحياة قبل أن يستعيد الهدوء الذي وطّن النفس عليه منذ أن أدرك أن هناك وجهاً آخر لكل شيء في هذه الحياة، وأن الوجه الآخر الذي لا نراه في بعض الأحيان كثيراً ما يكون أفضل من الوجه الظاهر الذي نعتقد أنه الوحيد والأجمل.
هو يدرك أن فلسفة الكثير من أمور الحياة ربما لا يكون أحياناً في صالحها. وهو يعلم جيداً أيضاً أن تبسيط الكثير من أمور الحياة غالباً ما يؤدي إلى نزع الكثير من معانيها. لذلك كان يمسك بالعصا من منتصفها محاولاً إحداث التوازن المطلوب لتقليل نسبة الخطأ في كل اتجاه من ناحيتيها، تاركاً أمر تحقيق هذه المعادلة للظروف التي نادراً ما تكون مواتية، لكنها لا تخيّب أمل أولئك الذين ينظرون إلى الحياة بكثير من التفاؤل غالباً.
هو يتفق مع شاعر تركيا العظيم ناظم حكمت بأن أجمل البحار هي تلك التي لم ترتدها أشرعتنا بعد ولكنه كثيراً ما تساءل: أنّى لنا أن نرتاد كل البحار لنكتشف أجملها وبحار الدنيا أكثر من أن تستوعبها رحلة الحياة القصيرة؟ لذلك وطّد نفسه على أن لكل بحر جمالاً من نوع خاص علينا أن نكتشفه كي لا نفوِّت على أنفسنا فرصة الاستمتاع بكنوزها وخباياها.
هو يعرف أن لحظة الغروب على شاطئ البحر ربما تبدو كئيبة وحزينة لكثير من أولئك الذين يعشقون البحر ويحرصون على معايشة هذه اللحظة رغم مسحة الشجن التي تكتنفها، لكنه واثق من إدراك هؤلاء الذين يشاركونه الاستمتاع بمعايشة هذه اللحظة أن الشمس تغرب كل يوم لتشرق من جديد حاملة معها معنى الحياة المتجدد، لذلك كان لرائحة البحر في حياته دائماً عبق الشروق والأمل والحياة، رغم كل ما يمكن أن يقال عن البحار وما فيها من غموض وأسرار.
