تختلف ذكريات ضيفنا اليوم عن الجميع، فهو شاعر مرهف الحس، كثيراً ما كتب قصائد دينية ونزعته الصوفية واضحة، ولذلك فرمضان عنده بالطبع مختلف عن باقي الناس من ناحية، وذكرياته فيه ذكريات لها خصوصية الشاعر المخلص صاحب الإحساس النقي، والشعور الزكي. فالشاعر محمد التهامي أحد الشعراء الذين تفيض قصائدهم بالروحانية والصفاء ، وتتميز كتاباتهم بالصدق والنفحات الإيمانية العامرة .
كتب ليس من أجل الأضواء والشهرة ولكن لأنه صاحب رسالة حق ، وبلاغ للناس ، وعن ذكرياته في رمضان قال : تعود ذكرياتي في شهر رمضان إلى مرحلتي الطفولة والصبا ، وكنت أعيش وقتها بالريف ، حيث الحياة البسيطة الهادئة ، والجو الذي يبعث على سكينة النفس ، ويرسخ الإيمان داخل الأعماق، فالناس هناك في مثل ذلك الوقت كانوا أقرب إلى الملائكة منهم إلى البشر ،وكنا نستقبل شهر رمضان بشوق كبير ، والجميع يبتهج لهلاله.وتبقى في ذاكرتي من هذه الفترة بعض الملامح الرئيسية مثل الزيارات العائلية المتعددة ، فلابد أن نزور يوميا أحد بيوت القرية ، ليس الأقارب فحسب ، بل والجيران والمعارف والأصدقاء ، حالة النقاء كانت تسيطر على الجميع فتختفي المشاحنات والخصومات ، وعندما يقضي الجميع ليالي رمضان ما بين الصلاة والدعاء والابتهال إلى الله تعالى ، كان الإيمان يتجسد في أبهى صوره وتجلياته .
ويطوف بنا الشاعر محمد التهامي في حلقات الذكريات ، ويصل بنا إلي ذكرياته الرمضانية في أوروبا ،حيث اضطرته ظروف العمل كمدير لمكتب الجامعة العربية بمدريد أن يعيش تجربة رمضان الغربية لمدة خمس سنوات ، يقول : ورغم أننا كنا نصوم الشهر الكريم في مجتمع لا يعرف الاحتفالية المميزة لشهر رمضان ، والتي يتميز بها في بلادنا ، إلا أنني كنت أشعر بكل روحانيات هذا الشهر .
كانت هذه الروحانيات تنعكس على تصرفاتي ، وتثير إعجاب كل المحيطين بي وبأسرتي ، ومن خلال هذه التجربة الخاصة أستطيع أن أقول : إن شهر رمضان يمد الإنسان بقوة غريبة ، تسانده في تحمل وطأة الإحساس بالغربة أكثر من أي وقت آخر ، بل إن أحساس الصائم بروحانية هذا الشهر لا يختلف باختلاف المكان الذي يعيش فيه .
وهذا يؤكد أن الصوم يتفرد بذاتية روحانية خاصة ، لا تتأثر بأي مظاهر خارجية من فوانيس واحتفالات وغيرها ، بل إن شهر رمضان هناك كان يشعرني أنا وأسرتي وكأننا نعيش في مصر ، رغم بعدنا عنها بآلاف الأميال ، بل إنني كنت أعيش نفس المشاعر ذاتها التي كنت أعرفها من خلال تواجدي في قريتي الريفية الصغيرة ، بالرغم من وجودي في إحدي العواصم الأوروبية المفعمة بالصخب •

