يظل استطلاع آراء الأشخاص على اختلاف توجهاتهم سواء أكانوا مسؤولين أم أفراداً عاديين، هو المنهج الأكثر قدرة على إيجاد جزئيات صورة من قريب لما تعنيه حياة الجالية الإسلامية في النمسا التي يقدر عدد أبنائها في الوقت الحالي 335 ألف نسمة.

وعلى الرغم من الحيوية والديناميكية اللتين يتيحهما هذا المنهاج إلا أننا ونحن نتأمل نتاجه ينبغي ألا ننسى أنه وليد التعبير عن وجهات نظر تعكس رؤية أصحابها، بمعنى أنها ذاتية في المقام الأول وقد تكون بعيدة عن الموضوعية في نهاية المطاف.ولكن أليس هذا بالهدف الذي يقصد في ذاته؟ ألا يؤدي بنا إلى الوصول إلى صورة بانورامية لوضعية المسلمين في النمسا؟ ألا يحقق هذا المنهاج الهدف المقصود منه حتى وإن كان عن طريق تقديم «كولاج» هائل قد يكون تأمل جزئياته مجهداً إلى حد بعيد؟أياً كان الأمر دعنا نتابع ملامح هذه البانوراما النمساوية الفريدة، ولنتذكر أننا لسنا بين يدي تقويم كل جزئية في ذاتها بالموافقة والاعتراض، وإنما نحن نحاول الخروج برؤية كلية من واقع هذه البانوراما.

إطلالة لعمدة فيينا يقول ميشال أوبل عمدة فيينا، في كلمة دالة له في الحفل الذي أقيم في قاعة المدينة تحت عنوان: «25 عاماً من عمر الجماعة الإسلامية في النمسا» ما نصه: «لقد أجمع المتحدثون كافة في هذا الحفل على أن حفلاً كهذا بمشاركة كل قوى المجتمع ما كان ليمكن أن يقام في أي مدينة أوروبية أخرى. وفي كلمته الترحيبية في الحفل أكد أنس الشقفة رئيس الجماعة الإسلامية في النمسا على الطريقة النمساوية الخاصة في التعامل مع السكان المسلمين البالغ عددهم 340 ألف نسمة تقريباً.

وقد تم إقرار الحقوق المتساوية للمسلمين في السنوات الخمس والعشرين المنقضية منذ الاعتراف الرسمي بالجالية الإسلامية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهناك تحركات لا نظير لها للتضامن مع مسلمي النمسا وبصفة خاصة في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. فالمسلمون في النمسا ليسوا ضيوفاً وهم لا يتم التسامح معهم فحسب، وإنما هو جزء لا يتجزأ من المجتمع النمساوي».

وتنتقل الكاتبة النمساوية إيزولد شاد تحت عنوان «رحلة إلى داخل النوع» إلى موضوع على جانب كبير من الأهمية والدقة، وهو المتعلق بوضعية المرأة في المجتمع الحديث والرؤية الإسلامية من ناحية والأوروبية من ناحية أخرى لهذه الوضعية.

وهي تقول في هذا الصدد: «تتشكل الآراء بسرعة في النمسا حول موضوع النساء في الإسلام، وإما أن يتم التعبير عن القلق حيال الضغوط اللواتي يتعرضن لها من مجتمع ذكوري التوجه إلى حد بعيد، وإما أن تقوم نسوة أخريات بإضفاء الطابع المثالي على وضعية الحريم باعتبارها وضعية سبقت بقرون عدة المجموعات المعبرة عن الحساسية النسوية.

ويلفت الباحثون في العالم الإسلامي الانتباه إلى الحقيقة القائلة إن القرآن، بالمقارنة بالإنجيل، يؤيد المساواة بين الجنسين، وتربط الكاتبة المصرية الدكتورة نوال السعداوي النقد الذي توجه لبعض الممارسات في العالم الإسلامي بالطابع الأبوي للمجتمع. والواقع أن الضرورة في الشرق والغرب تجعل النساء يضعن موضع التساؤل صورتهن عن أنفسهن من منظور أجنبي بين الحين والآخر».

حب الناس

ولكن ماذا عن الوجه الآخر؟ ماذا عن المسلمين في النمسا؟ كيف يرون الصورة؟ ما هي طبيعة صلتهم بالمجتمع النمساوي؟ ما هي طموحاتهم؟ ما الذي يؤرقهم؟ ما الذي يحلمون به؟

ربما كانت البداية الأكثر عفوية وصميمة وانطلاقاً وتعبيراً عن آراء الشباب المسلم في النمسا هي التي ترد على لسان ذهل محمد، التي أمضت سنوات النشأة في وسط أوروبا ثم عادت إلى تركيا وهي تعمل الآن في مركز أبحاث الدراسات الإسلامية في اسطنبول بتركيا.

وتقول ذهل التي تبلغ من العمر 29 عاماً، عن ارتداء الحجاب والقواعد التي تحكم ملابس النساء: «بالنسبة للمرأة فإن وضع الحجاب ليس بالمسألة السهلة، بل هي متعبة حقاً، وذلك هو أحد أسباب اعتقادي بأن ارتداء الحجاب أمر مهم، لأنني من خلاله ألزم نفسي وأقيدها، ليس بمقدوري أن أرى نفسي ورغباتي وغروري وذاتيتي، وإنما أنا أطيع ما أمر به الله، وأنا أفعل ذلك من أجله وحده سبحانه لكي أتمكن من أن أظهر له جل وعلا إيماني به».

وهي تنتقل إلى الحديث عن جانب آخر بقولها: «إن ما يعنيني هو إنسانية الإنسان، كما أنني لا أنسى ديني فإنني لا أنسى أنني من البشر وأنني أتعامل معهم، إنني أريد أن يراني الآخرون كإنسانة وأن يقبلوني ويتعاملوا معي على هذا الأساس قبل أي شيء آخر».

وهي تتحدث عن مفهوم الإصلاح، فنقول: «ليس بوسعي أن أتحدث نيابة عن الأديان الأخرى، ولكن في إطار الإسلام، فإن القوانين والأحكام شاملة ولا يقيدها زمان أو مكان، وهذا هو في اعتقادي ما يبرز خصوصية القرآن الكريم، أي كونه صالحاً لكل الأزمان، وهو اليوم لا يزال على نحو ما كان عليه منذ قرون مضت، ولأننا نؤمن بمعجزة القرآن فإننا نؤمن أيضاً بصلاحيته للناس في كل العصور. ولهذا فإنني لا أعتقد أن أحكامه ينبغي مواءمتها مع معايير عيشنا اليوم، فهي صالحة للبشر في كل زمان ومكان».

الوطن والحنين

ويقول كريم سعد، وهو مواطن نمساوي من أصل مصري عن العلاقة التي تربطه بكل من النمسا ومصر في وضوح وجلاء تحت العنوان الدال «الوطن» ما يلي:«ليس بمقدوري أن أجد الكلمات التي أعبر بها عن الحزن الذي استشعره في أعماقي عندما أغادر وطني الثاني، مصر.

وفي الوقت نفسه فإنني أتطلع إلى الوصول إلى النمسا، البلد التي ولدت ونشأت فيه. وأن أمضي وقتي في أوروبا، وفي كل مرة أزور فيها عائلتي المصرية يتوهج قلبي نوراً، فهم الناس الذين اشترك معهم في القيم الأخلاقية والذين يعمقون إيماني بالدين.

وعلى الرغم من ذلك فإن النمسا هي وطني وتظل كذلك، إنها البلد الذي ولدت فيه ومضيت إلى المدرسة والتي أعيش فيها حياتي. وعندما أتأمل الأمور من بعيد، فإنني ألاحظها بدقة أكبر، وبالتالي أدرك ما هو مهم لي وما الذي يعنيه الوطن بالنسبة لي. إنك في الوطن غالباً ما تشكو فيما يتعلق بالحياة وأسلوب عيشها، ولكنك إذا غادرت هذا الوطن فإنك تشعر بألم أكبر، إن الوطن مصدر لا ينفد لقوتي.

كامل يوسف حسين