ذكر الله تبارك وتعالى المرأة في كتابه الكريم مرات كثيرة وحدثنا عنها سبحانه وتعالى في مراحل عدة تعكسها السطور التالية والتي تعرض لمختلف النساء اللائي جاء ذكرهن في القرآن الكريم.

قال تعالى: (الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) يوسف 51.إنها السيدة «زليخا» التي قالت تلك العبارة الخالدة والتي أزاحت عن ضميرها بتلك الكلمات أثقالا وأوزارا ظلت تحملها سنوات عدة حتى آن الأوان لظهور الحق وكشف الظلم عن يوسف الصديق الذي تحصن بحصن الله فآواه وحفظه ورعاه حتى وإن كان كل ذلك وراء جدران في سجن بعيد..ويا للعجب إذا علمنا أن السجن هذا كان أحب الأماكن إلى نبي الله يوسف الذي ضاقت عليه الأرض بما رحبت ووجد ان نفيه إلى السجن أفضل إليه من أشياء أخرى كثيرة فنجده يقول لربه:قَالَ (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) يوسف 33.

ونجد رد ربنا سبحانه وتعالى لهذا الفتى الصالح في الآية التي تليها..

(فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

وكما أن لكل نبي امتحان وابتلاء فإن امتحان الله لنبيه يوسف كان بشدة حسنه وجماله، كما كان بشدة غيرة إخوته له، فقد ظهرت عليه منذ صغره علامات النبوغ والعلم والرؤى الصالحة.

فقد رأى يوسف رؤيا في منامه فقال لأبيه:

(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) يوسف.4

فهم يعقوب بنور النبوة أن ابنه يوسف، سيكون له شأن عظيم، يصطفيه الله من بين إخوته، يحمل أعباء الرسالة ويبلغه مبلغا من الشرف والحكمة، يفوق بها سائر إخوته، وخاف عليه من حسدهم فنهاه أن يقص رؤياه على أحد من إخوته..

ولكن الغيرة تسربت إلى نفوس اخوته فتآمروا عليه ورموه بالبئر حتى وجده قوم من المارة يسيرون من أرض مدين إلى مصر فمروا على البئر ووجدوا يوسف معلق بالدلو المملوء بالماء الذي أراد القوم أن يستسقوا به وحينها اعتبروا يوسف الفتى بضاعة وباعوه في سوق الرقيق كعبد حين وصلوا إلى أرض مصر وباعوه بثمن زهيد وهو أربعون درهما كما قال عكرمة وذلك لأنهم خافوا أن يكون عبدا قد هرب من سيده فينتزعه سيده من أيديهم.

وهاهي المحنة تلو الأخرى تأتي إلى يوسف الغلام فبعد محنة رميه في الجب أو البئر جاءت محنة الاسترقاق والعبودية.. وقال الشخص الذي اشتراه لزوجته أكرمي مثوى هذا الغلام في دارنا وأحسني معاملته، عسى أن يكفينا بعض المهمات اذا بلغ الرشد، أو نتخذه ولدا فنتبناه حيث لم يكن لهما ولد..

وعاش يوسف في قصر العزيز الذي كان زوجا لامرأة جميلة كانت تعاني من الوحدة والضجر ومن مرض زوجها الذي عجز أن يأتيها بولد وفي ظل الثروة والمال والجاه وغياب الضوابط التي تمسك بزمام الحياة.. في ظل هذا كله بلغ يوسف أشده وأصبح فتى جميلا راشدا هو أشبه بالملائكة منه إلى البشر... وراودته التي هو في بيتها عن نفسه فأبى واستعصم.

وغلقت الأبواب وهيأ لها الشيطان مطاردته حتى أنها جذبته من قميصه بعد أن حاول الفرار منها فقطع القميص من الدبر أي من الخلف من شدة جذبها له.

وهنا دخل الزوج وفهم المعنى ودخل من ورائه ضيوف كان معهم طفل صغير في المهد.. فأنطقه الله تعالى: وهذا قول النص القرآني:(وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) يوسف 28.

وعلم الزوج بما حدث فأوصى يوسف بالتكتم وقال لزوجته استغفري لذنبك ويا للعجب ترك الأمر كما هو عليه وهنا تبرز عظمة الإسلام الذي وضع لكل شيء ضوابطه الشرعية ووضع آدابا للإقامة وحرمة للحياة الزوجية فمنع حتى أخو الزوج من الإقامة داخل البيت أو حتى الدخول والزوج ليس بالداخل...!

وتحبك المؤامرة وتتجمع النسوة يراودن يوسف عن نفسه فيناجى يوسف ربه ويطلب منه السجن ثم تنجلي ستائر الظلمات واحدة بعد الأخرى وبعد مدة سجن طويلة تبلغ حوالي العشر سنوات انجلى الحق وجاءت امرأة العزيز التي كانت سببا في دخول يوسف السجن جاءت تشهد إمام فرعون مصر في ذلك الوقت جاءت مع النسوة اللاتي حضرن للشهادة امام الملك وشهدت معهم بأنها اخطأ وأنها تابت لربها من خطئها فقالت:(الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ). صدق الله العظيم

جيهان محمود