أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ.

ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.

الروبوت دائما كانت أحلام الإنسان.. أو تخاريفه أو حتى كوابيسه تتصل بوجود كائنات غريبة أو مصطنعة تمتلك قدرات خرافية وتضع هذه الإمكانات ــ الخيالية تحت تصرف البشر.. قد يحسنون بها أو قد يسيئون.. هكذا حفلت الثقافات القديمة بتصورات وتخيلات ومسميات لفكرة هذه الكائنات الاصطناعية.. ما بين أسطورة «قدموس» الذي كان ينثر في الأرض أسنان مارد التنين.. فإذا بالأسنان الهائلة تنبت مردة محاربين.

وبعدها كانت أسطورة بجماليون التي تلقفها كثير من الشعراء والروائيين وكان أشهرهم «برنارد شو» في مسرحيته التي تحمل نفس الاسم وتدور حول جالاتيا التي تحول تمثالها من حجر وصلصال إلى حيث أصبحت كائنا تدب في أوصاله أنفاس الحياة.. بل كان هناك في إطار الحضارة العربية الإسلامية من راودته مثل هذه الأفكار الأسطورية..

حيث يروون عن جابر بن حيان (815م) الذي ما زال علم الكيمياء الحديث يلهج بفضل ريادته في اكتشاف الخواص والعناصر ــ هذا العالم المسلم كان يحلم بدوره بكائنات مصطنعة.. من عقارب وحيات وما إليها من صنوف الزواحف.. ثم كان طبيعيا أن تصل الخرافات إلى الثقافة النوردية في شمال أوروبا البارد حيث تحكي الأسطورة عن الفتاة «إدا» التي اصطنعت عملاقا من صلصال.

وقل الشيء نفسه عن حكاية فرانكنشتاين، المخلوق المصطنع والمخيف أيضا وهي الحكاية التي كتبتها الروائية الإنجليزية ماري شيللي (1797-1851) ويسلكها النقاد ضمن الروايات القوطية التي تثير الرعب.. فيما كانت المؤلفة زوجة لواحد من أرق المبدعين الرومانسيين في آداب الإنجليزية وهو الشاعر بيرسي شيللي.

ويقال ان الصينيين هم أول من فكر في تصميم كائن اصطناعي على أساس استخدام علم الميكانيكا وقد تابعهم في ذلك علماء الرياضيات من اليونان، حيث أخرج العالم أركيتاس منذ القرن الرابع قبل الميلاد حمامة صناعية تتحرك بطاقة البخار..

والمؤكد أن هذا التراث من الأحلام والرؤى والتصاميم هو الذي دفع فنان عصر النهضة ليونارد دافنشي إلى أن يدون رسومات في دفتر خاص حوالي عام 1495 للميلاد تصور فارسا ميكانيكيا من حديد قادرا على الوقوف وتحريك رأسه ويديه. ومع ذلك فلم يبت الباحثون فيما إذا كان هذا العبقري الإيطالي قد تمكّن بالفعل من وضع هذه الرسومات موضع التطبيق.

ورغم ما طرأ من تطورات في مجالات العلم والابتكار على مدى القرون الحديثة.. التي شهدت بالطبع إضافات، وربما محاولات، أكثر تقدما للتوصل إلى الكائن الميكانيكي ــ الصناعي المنشود.. منها مثلا البطة الميكانيكية التي اخترعها الفرنسي جاك دي فوكا في منتصف القرن الثامن عشر.. فالمهم أن تعيَّن على العالم أن ينتظر إلى العقود الأولى من القرن العشرين.. ريثما يتوصل البشر أولا إلى الكلمة التي نتداولها حاليا وهي «الروبوت».

وكان أول من استخدمها كاتب مسرحي من تشيكيا في وسط أوروبا اسمه «كاريل شابيك» في مسرحية عرضها في عام 1920. وقد استقى الكلمة اشتقاقا من اسم «روبوتا» وتطلقه اللغة التشيكية على معاني السخرة والعمل القسري.. استغلال طاقة الإنسان لإجباره على العمل (روبوتا تصدق على معنى العمل بشكل مطلق في اللغات السلافية).

بعدها انفتح الباب لطرح كائنات الذكاء الحركي الاصطناعي تحت اسم الروبوت، حيث يظهر اسم الاميركي نيكولا تسلا المهاجر أصلا من وسط أوروبا وقد عرفناه واحدا من رواد اختراع المذياع بقدر ما كان يحلم أيضا بالتوصل إلى «ماكينات تمتلك أدوات ذكائها».

ومع حلول التسعينات كان الروبوت كما نعرفه ــ كائنا ميكانيكيا أو هو الإنسان الآلي كما وصفه البعض - قد أصبح جزءا من حياة الناس في مجال الصناعة الثقيلة بالذات حتى أن مصانع السيارات الاميركية استخدمته في عام 1961 لإنجاز العمليات الصعبة أو الخطرة، ومنها مثلا أن يقوم الروبوت برفع القطع المعدنية الملتهبة من ماكينات الصهر والتشكيل ثم يقوم بصفها معا في إطار نسق واحد.

وإلى جانب هذه العمليات الخطرة على الإنسان.. يقوم الروبوت بعمليات أقل خطرا ولكنها أشد إملالا ومنها عمليات حزم وتغليف المنتوجات قبل طرحها في الأسواق. وفي كل حال يلخص الخبراء المهام التي يفضلون فيها الروبوت على الإنسان في أنها الواجبات التي قد يعافها البشر (البنى التحتية للصرف الصحي مثلا) أو الشديدة السأم (العمليات المتكررة آلاف المرات في اليوم الواحد) أو الجسيمة الخطورة (استكشاف فوهة البراكين المضطرمة بالحمم وجمر الصخور).

أما على المستوى البيتي ــ العائلي ــ الاجتماعي فهناك من يعمد إلى استخدام كائنات الروبوت في عمليات التنظيف المنزلي.. وهناك من يرنو إلى أن تكشف السنوات المقبلة عن روبوت يصلح جليسا للطفل بحيث يقدم للأطفال حليب المساء في توقيت مضبوط مسبقا ولا بأس من هدهدة الصغار بترانيم وأنغام ترسلهم إلى وسن المنام.. ولا بأس أيضا من روبوت يجالس كبار السن وقد يؤنس وحدتهم سواء بسرد حكايات أو حتى بالاستماع والتفاعل مع ما قد يروونه من جانبهم من ذكريات.

تطوير كائنات الروبوت متواصل سواء في مختبرات البحث أو في نوعية الاستخدامات التي تستجد على هذا المجال. وتشغيل هذه الآلة التي تحاكي قدرات البشر أو فلنقل بعض قدراتهم يشهد بدوره عمليات تطوير سواء باستخدام المحركات الكهربائية أو الطاقة الإلكترونية التي تستهدي بإمكانات الحاسوب وصولا إلى الإفادة من التكنولوجيا الرقمية (ديجيتال) حيث يتوازى مع هذا كله إضفاء لمسات التحسين على شكل الروبوت كي تتلاشى الصور الكابوسية المفزعة التي ارتسمت له منذ بدايات استخدامه.. دع عنك تزويده بإمكانات ما كان يحلم بها من سبقوا من رواد الفكرة ولا عبر الثقافات والحضارات.

ومنها مثلا التعرف على الأصوات البشرية بالذات، والتفاعل معها استجابة أو امتثالا أو رفضا.. ومنها أداء الحركات والنقلات بشكل أكثر مرونة ومنها ارتسام تعبيرات مختلفة تجسيدا لردود الفعل المتباينة على صفحة الروبوت لدرجة أن يكون للروبوت شخصية متميزة.. مستقلة أو شبه مستقلة(!).

مع هذا كله.. ورغم ما أسداه التوصل إلى هذه الكائنات الميكانيكية المصطنعة من خدمات وإضافات مفيدة للحياة البشرية.. إلا أن هناك من أخذ على عاتقه كي يحذر موضوعيا من سيادة، بل سطوة، هذه الكائنات الآلية ــ وخاصة مع تطويراتها الحديثة.. العجيبة بل والمخيفة على حياة الإنسان. في مقدمة هؤلاء اسحق عظيموف.. وهو في الطليعة من كتّاب الأدب العلمي أو الخيال الروائي العلمي إن شئنا التعبير. وهو أيضا أول من صكّ مصطلح «روبوتيكس» ليقصد به علم وتكنولوجيا التعامل مع كائنات الروبوت وتطبيقات استخداماتها.

وقد نشر في ذلك قصة قصيرة بعنوان يمكن ترجمته بعنوان «الانفلات» بمعنى الخروج عن دائرة السيطرة أو التحكم أو الانضباط. محذرا من أن ينقلب السحر يوما على الساحر.. وتلك تحذيرات سبق وأن أطلقها كثير من الفلاسفة والمفكرين والعلماء محذرين في زمن مضى من سطوة الآلة وتحكمّها في البشر ابتداء من ماكينة الإنتاج.. وليس انتهاء بالحاسوب الإلكتروني.. ناهيك بالروبوت الكائن الإلكتروني بدوره.. وكلها، كما لا يخفى عليك، مخترعات ومستجدات يُقصد بها أن تحاكي الإنسان..

وأن تنوب عنه في مجالات شتى وأن تخفف عن كاهله أعباء قد ينوء بها.. وهذا في حد ذاته إيجابي ومفيد.. لكن على الناس أن تصغي إلى صوت القسط والاعتدال والوسطية على نحو ما عرفته حضارة العرب والمسلمين.. والا تحولت ثورة الآلات التي تتناولها روايات الخيال العلمي إلى حقائق تقع وسلوكيات تدمر.. وبقدر ما يُشجّع الإنسان على أن يكون مجددا ومبتكرا، لا بد من تحذيره حتى لا يكون مبالغا أو عجولا.

سرير فوق الماء

في زمن مضى نشر الكاتب الاميركي الشهير «مارك توين» مقالا في جريدة نيويورك تايمز (عدد 23/7/1871) تحدث فيه ربما للمرة الأولى.. عن سرير يستخدمون على سطحه حشية مملوءة بالمياه. يومها لم يكن في الأمر تطلع إلى أي مظهر من مظاهر الراحة أو الأبهة أو الترفيه.. بل كان يستلزمه معالجة الناقهين من مرضى المستشفيات العامة بعد طول قار..

ومن يومها ظل السرير المائي مرتبطا بالطب والعلاج.. وموضوعا لمحاولات تهدف إلى تطوير هذا المخدع المائي لصالح المرضى بالدرجة الأولى. في هذا السياق توصل الطبيب الإنجليزي «ويليام هوبر» إلى سرير مائي قصد به أساسا.. أن يريح مرضاه الذين كان التزام الفراش والرقاد فوق الحشايا القطنية التقليدية يؤلم أجسادهم.. كان ذلك في عام 1883..

وبعدها تقدم الدكتور هوبر طالبا تسجيل هذا الاختراع «العجيب». وعند الاختبار فشل الاختراع «العجيب» لا في الاحتفاظ بكميات المياه ولا في الإبقاء على درجة الحرارة المطلوبة. وكان أن سكت الناس عن المسألة يستوي في ذلك المرضى والأطباء وعامة المستهلكين.

ثم انقضت فترة طويلة، من الزمن إلى أن تم التوصل إلى اختراع السرير المائي كما يعرفه الناس حاليا. ونتصور أن طول الزمن المنقضي بين تجربة الطبيب الإنجليزي في عام 1883 واختراع الفتى الاميركي تشارلس هول عام 1968.. مبرره الأساسي هو أن العالم كان بحاجة إلى مخترعات وإلى ابتكارات أجدى نفعا وأكثر أهمية ــ وبما يفوق أهمية اختراع مخدع أو فراش على صهوة المياه.

الجديد الذي جاء به المخترع الاميركي هو استخدام مادة مطاطية مخصوصة تمتص أو تستوعب موجات تحريك كميات المياه، بحيث يظل سطحها مستويا فلا تتحرك أو تتجمع في هذه الزاوية أو تلك فإذا بمن يستخدم السرير وقد وجد نفسه إذا تحرّك مطروحا على الأرض، فما بالك إذا كان مريضاً..

وقد حصل المخدع الاميركي على براءة «سريرة» يوم 24/1/1969 بعد أن حمد له المختصون أنه زود الاختراع بصمام خاص يضمن تصريف المياه من هيكل السرير في حالة حدوث أي تسرب وباعتبار أن المياه المتسربة قد تتدفق حول المريض أو الشخص المستسلم للنوم العميق أو اللذيذ.. وقد تؤدي إلى إصابته بالاختناق غرقا.

من مزايا السرير المائي إمكانية تدفئة الحشايا مما يهيئ مناخا مريحا في زمهرير الشتاء. وهذا الدفء يؤدي إلى ارتخاء العضلات ومن ثم تحسين الدورة الدموية.. فضلا عن أن دورة حياة، أو استخدام، هذا النوع من المخادع تصل في المتوسط إلى 12 سنة.

ولأن لكل مزايا ما يقابلها من مشاكل فهناك من يشير إلى كلفة التدفئة حيث يعامل كل سرير مائي معاملة البرّاد أو الفريزر من حيث استهلاك الكهرباء.. هذا فضلا عن مشكلة بديهية تتمثل في صعوبة نقل وتحريك هذا النوع من المخادع بالمقارنة مع نظيراتها التقليدية الأخرى التي يتم نقلها وتحريكها على نحو ما درج عليه الناس منذ مئات السنين.

محمد الخولي