في الشعر القديم لمحات ذات مغزى إلى عناية الآباء بالأبناء ومساعدتهم بالرأي في ظروف الحياة الاجتماعية في ذلك الوقت. وأكثرها يجري مع محاسن التصرفات التي تعد في مكارم الأخلاق وبعضها يبقى رهين ذلك الزمن بما فيه من عادات أو وجوه اختلاف.
* وصية أب لابنه وهذا شاعر قديم، لم يدرك الإسلام في قول بعض المؤرخين، وأدركه في قول بعضهم الآخر: اسمه عبد قيس، ينتمي إلى قبيلة البراجم من بني تميم. عاش طويلاً شريفاً، شجاعاً، عظيماً في قومه.ومناسبة الوصية أن الشاعر تقدمت به السن ـــ كما قال في أول القصيدة ـــ وأراد أن يقدم لابنه ـــ واسمه جبيل ـــ خلاصة تجاربه، وموجز نصائحه؛ قال يخاطبه:أجُبَيْلُ إن أباك كارب يومه-فإذا دُعيت إلى العظائم فاعْجَلِ-فهو كارب أي دنا من أواخر أيام حياته. 1ـــ وأول وصية أن يفزع لمن يستنجد به في الأمور العظيمة (كالحرب دفاعاً أو هجوماً، والجود بالمال الكثير.. الخ). 2ـــ ودعاه إلى تقوى الله، والوفاء بالنذور، وألا يحلف حلفاً مجادلاً.
اللّه فاتَّقِهِ وأَوْفِ بنَذْرِه
وإذا حَلفْتَ مَماَرياً فتَحلّل
والضيف أكرمْهُ فإن مبيتَهُ
حَقُّ ولا تكُ لَعْنَةً للنزّلِ
3ـــ وثالث الأمور قرى الضيف. وقد جعل إكرام الضيف حقاً له، وواجباً على من ينزل عنده، والا فإن ال ضيوف سوف يلعنونه. وهذا شيء عظيم!
واعلم بأن الضيف مُخْبرُ أهلهِ
بمبيتِ ليلتهِ وإن لم يُسْألُ
4ـــ وللصديق حق أيضاً، قال:
وداع القوارص للصّديق وغيره
كي لا يَرَوْكَ من اللئامِ العُزّل
فهو يطلب إليه (والكلام موجه بالنصيحة) أن يدع قوارص الكلم (القبيح منه) كي لا يراك الناس كاللئيم المعتزل عن الناس!
5ـــ وطلب إليه أن يصل الذي يصله ويشد وثاق وده، وأن يحذر الصديق المتلون الذي يتغير حسب الظروف.
6ـــ ونصح الأب ابنه بأمرين موصول أحدهما بالآخر:
واترك محلّ السوء لا تحلل به
وإذا نبا بك منزلُ فتحوّل
فالأمر الأول أن يبتعد عن مواطن الشبهات وأمكنة السوء، وأن يترك المكان الذي ينزل فيه (وإن كان المكان معجباً) إذا لم يعد منزل كرامةٍ أو منزل أمان، وزاد:
دار الهوان لمن رآها داره
أفَراحلَ عنها كمنْ لم يَرحْلِ؟
7ـــ ونصح الأب ابنه بالتروي في الشر والتعجيل بالخير:
وإذا همَمْتَ بأمرِ شرٍّ فاتّئد
وإذا هَمَمْت بأمر خيرٍ فافْعَلِ
8ـــ ونصحه بعزة النفس وإن أصابته الفاقة واشتد به الفقر وإذا قصد من يسعفه في الضرورة فليقصد كريماً معروفاً، بنبله وكرمه:
وإذا افتقرت فلا تكنْ متخشّعاً
تَرجْوُ الفواضل عند غير المُفْضل
واستغْن ما أغناك ربّك بالغِنى
وإذا تُصبْكَ خصاصة فتجمّل
ـــ فالخصاصة هي الفقر والحاجة، والتجمل: التجلد وتحمل مشاق الصبر.
ـــ والشاعر بهذا يرسم لابنه خطة أمر يمر بالناس حيناً أو أحياناً، لكي يحفظ كرامته، ويعرف كيف يتصرف في مثل تلك الأحوال.
9ـــ وطلب من ابنه، وهو ينصحه ـــ أن يستعمل الحلم في أموره كلها، فإن الحلم ما كان في شيء إلا زانه. وقد قالت العرب: في العجلة الندامة: واستأن حلمك في أمورك كلها وإذا عزمت على الهوى فتوكل.
أما إذا عزم على أمر رآه صالحاً له (هوى نفسه المراد) فليعزم، وليمض ذلك العزم.
10ـــ وترك الأب لابنه موعظة مهمة في حياته النفسية والاجتماعية فإنه نصحه بأن يوازن الأمور، وأن يراجع نفسه في ما تحدثه به من أمور: فإذا فعل ذلك فليختر الوجه المحمود، وليبتعد عن الوجه المذموم، وهذا معنى قوله لابنه جبيل:
وإذا تشاجرَ في فؤاداك مرةً
أمران فاعمد للأَعَفّ الأَجْمَلِ
فالأعف هو الأكثر عفة، والأجمل: الذي يحسن من الأمور ويفضل غيره.وهذه المواعظ في أكثرها تأخذ من المعاني الإسلامية، أو تلتقي معها،. وفيها مواعظ عامة تدخل في معنى مكارم الأخلاق. ولهذا أكد السيوطي حين أجرى ذكره في كتبه إنه شاعر إسلامي (أي أدرك صدر الإسلام).
أ.د محمد رضوان الداية

