تبدأ قصة المسجد الحرام منذ بدء الخليقة، فهو أول بيت لله يقام على سطح الأرض، حيث بناه آدم عليه السلام، فقال تعالى: «إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى ورحمة للعالمين»، ثم اندثر بعد ذلك ولكن الله أمر إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل بإعادة بناء المسجد الحرام مرة أخرى ليكون مكان عبادة وأمن وآمان واطمئنان للطائفين والعاكفين والركع السجود، ولهذا المسجد العظيم خصوصية أخرى لا تتوفر لغيره من المساجد وهي أن إتيانه والصلاة فيه والطواف بالكعبة التي هي جزء منه ركن من أركان الحج.
كان المسجد الحرام أي ما يحيط بالكعبة من جوانبها الأربعة.. فضاء فسيحاً يطوف به الطائفون، ولم يكن له جدار يحيط به على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك في عهد أبي بكر رضي الله عنه.. ثم ضيق الناس على الكعبة وألصقوا دورهم بها.. وبين الدور كانت توجد أبواب فيدخل الناس من كل ناحية، ولما تولى الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال «لابد لبيت الله من فناء وإنكم دخلتم عليه ولم يدخل عليكم».. وعلى ذلك وسع المسجد واشترى الدور المحيطة بالكعبة وهدمها وضمها إلى المسجد وجعل للمسجد جداراً قصيراً دون القامة ووضع فيه القناديل. ثم زاد في توسعة المسجد الحرام الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه وتوالت مشروعات التوسعة عبر التاريخ على يد الخلفاء والحكام المسلمين حتى عام 979هـ، حينما أمر السلطان العثماني سليم الثاني بعمارته وأتم هذه العمارة ابنه مراد خان.. ثم قامت الحكومة السعودية، بتوسعة المسجد الحرام توسعة رائعة في الحجم والتصميم والزخرفة على الطراز الإسلامي.. وأقيم دور علوي، كما جعلت له سبع مآذن جديدة.
وفي القرآن الكريم بيان لقدسية هذا المسجد وحرمته وأن الله تعالى جعله مأمناً للخائفين وبيتاً مشاعاً بين المسلمين والمؤمنين.. قال تعالى في سورة الحج: «وإن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والبارد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم تذقه من عذاب أليم». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى.. وقال: الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه. وفي وسط المسجد الحرام توجد الكعبة المشرفة والى جوارها مقام إبراهيم، بئر زمزم والمنبر، فالكعبة المشرفة هي أول بيت وضع للناس، وهي قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وتقع في وسط المسجد الحرام.
وللكعبة أربعة أركان لكل ركن اسم خاص.. الركن العراقي في الجهة الشمالية الشرقية ــ والركن الشامي في الجهة الشمالية الغربية ـــ والركن اليماني في الجهة الجنوبية الغربية ـــ والركن الأسود في الجهة الجنوبية الشرقية ـــ وقد سمي بذلك لوجود الحجر الأسود في هذا الركن. وهناك الكثير من الروايات التاريخية عن بناء الكعبة.. وإن كان تاريخ بنائها يرتبط لقصة إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وقد أعيد بناؤها أكثر من مرة..وقبيل الإسلام تصدع البناء فهدمتها قريش وأعادت بناءها.. وقد اشترك محمد عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت في بناء الكعبة، كما كان حكماً بين القريشيين حينما اختلفوا على من يضع الحجر الأسود في مكانه. وكان آخر تجديد للكعبة عام 1377 هـ حينما اكتشفت الحكومة السعودية أن الأكلة قد نخرت في أعواد سقف الكعبة، فأمرت بتجديد سقف الكعبة واستبدل ما نخرته الأكلة من الأعواد بغيره إلى جانب إصلاحات أخرى جرت فيها من الداخل والخارج.
أما مقام إبراهيم فهو ذلك الحجر الذي كان إبراهيم عليه السلام يعلوه عند بناء الكعبة.. فحينما ارتفع جدار الكعبة لم يستطع عليه السلام من وضع الحجارة عليه ومن هنا جاءه إسماعيل بحجر ليقوم عليه ويأخذ في رفع البناء فتركه مكانه..
وسمي هذا الحجر بمقام إبراهيم لقيامه عليه أثناء بناء الكعبة. وقد شرفه الله تعالى بأن جعلنا نصلي خلفه.. قال سبحانه في سورة البقرة: «واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى» ولا تزال آثار قدمي إبراهيم عليه السلام على المقام حتى اليوم. وبئر زمزم يرتبط تاريخ بقصة هاجر وابنها إسماعيـل عليهمـا السلام، فقد تركها إبراهيم الخليل بوادٍ غير ذي زرع عند البيت الحرام..
نفد ما معهما من الماء واشتد العطش بإسماعيل.. أخذت هاجر تغدو وتروح بين جبلي الصفا والمروة.. طالبه الغوث من الله حتى رأت جبريل الأمين حول البيت الحرام يهمز الأرض بجناحه فتفور زمزم سقياها. ويستحب الشرب من ماء زمزم فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من مائها وقال: «خير ماء على وجه الأرض زمزم فيه طعام الطعم وشفاء السقم»..
ويستحب أن يكون الشرب على ثلاثة أنفاس وأن يستقبل به القبلة، فيتضلع منه - أي يمتلئ شبعاً ورياً - ويحمد الله ويدعوه كان يدعو ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال «اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء». ويقع المنبر الحالي للمسجد الحرام شرقي الكعبة شمال مقام إبراهيم وهو يحتوي على ثلاث عشرة درجة ويبلغ ارتفاعه من صحن المطاف حوالي 21 متراً.



