لا حصر للمرات التي تمنيت فيها أن يهيئ الله للعمارة المسجدية في الإمارات من الاختصاصيين والأساتذة الكبار الذين أمضوا عمرهم في دراسة العمارة وممارستها من يعطيها بعضاً مما تستحقه من تسجيل للرصيد الرائع والمميز، الذي أضافته للذاكرة الجمعية للمسلمين فيما يتعلق بالمساجد.
دعوت الله أن نجد اختصاصيين كباراً مثل دكتور إسماعيل سراج الدين أو دكتور محمد مكية أو دكتور خالد السلطاني أو رفعت الجادرجي يعطون من كتاباتهم لمساجد الإمارات وجوامعها بعض ما تستحقه من اهتمام وإلقاء للضوء على جمالياتها وما بذل فيها من جهد وما تعكسه من فرادة معمارية مدهشة. ذلك لا يعني بحال التقليل مما كتب بالفعل عن العمارة في الإمارات في سياقها المسجدي، ولكنه يعني أنني أعتقد ـــ وكثيرون يشاركونني هذا الاعتقاد ـــ بأن هناك اختلالاً بين ما هو ماثل على الأرض وبين يدي الناس وبين ما هو مكتوب ويمكن الرجوع إليه حول هذه العمارة التي شيدت وتشاد وينعقد الأمل على التوسع في تشييدها في المستقبل، إن شاء الله.
ولئن كان هناك من يخالفني هذا الاعتقاد، فدعني أضرب له مثالين محددين يثيران انزعاجي بقلة الاهتمام البحثي بهما على الرغم من أهميتهما: - المثال الأول هو مسجد البدية، ويكفي أن نتذكر أن الصديق ناصر العبودي الذي نال شرف تأليف كتاب بكامله عن هذا المسجد أصدرته جامعة الإمارات، هو الذي قال إنه لديه من الألغاز في تاريخ هذا المسجد ما يشغل جيلاً بكامله من الباحثين. فأين هم أبناء هذا الجيل؟ - المثال الثاني هو مسجد القروبي في منطقة الخان القديمة بالشارقة، والذي يعد من المساجد الأثرية المهمة، لكنك لن تجد توثيقاً حقيقياً له بالمعنى العلمي في أي مكان، بل إنه إذا لم يحظ بما يستحق من عناية وترميم فقد يقدر له الانهيار والاندثار فلا يعود يذكر أحد أنه كان هاهنا مسجد يزيد عمره على مئة عام.
فلندع جانباً هذا الحديث الذي يحفل بالشجون، ولنتذكر أنه في عام 2000 تعددت المساجد التي تم افتتاحها في شهر رمضان، وقد أتينا منها على ذكر مسجد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في أم القيوين. دعنا نتأمل الآن مسجد زايد في عجمان الذي افتتح في يوم الأربعاء العاشر من رمضان عام 1421 هجرية الموافق السادس من ديسمبر عام 2000. وأول ما نلاحظه أن هناك العديد من أوجه التشابه في تصميم المسجدين من دون أن يعني ذلك تطابقهما أو حتى تقاربهما، بل ربما كان من الدقة القول إنهما يصدران عن رؤية معمارية وجمالية واحدة، ولعل مصدر ذلك أنهما من مشاريع مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية.
هنا أيضاً سنجد الكيان المعماري الكبير والجليل والجميل، الذي يخرج عن النسيج الحضري فيتيح للعيون أن تتملاه وأن تشهده ناهضاً من بعيد قبل الاقتراب منه.
هنا أيضاً الكتلة المعمارية المستطيلة القوية والمتماسكة والقبة البصلية التي تعلو البلاطة المقابلة للمحراب، وهذا الإطار التقليدي البديع المؤلف من مآذن أربع تعلو من غير مبالغة وتستطيل رشيقة في تكامل بديع مع القبة وكتلة البناء.
ها هي العرائس التقليدية تزنر حواف السقف، وها هي المداخل ذات العقود الحدودية ترتفع شامخة، وبارزة عن كتلة البناء المستطيلة، كأنها تسبق المصلين إليهم. لكن ذلك كله لا ينبغي ان يصرفك عن الاختلافات، فبدت القبة من الخارج تحفه النقوش الهندسية البديعة التي طالما رأيناها في مساجد أواخر العهد المملوكي.
في الداخل، سنلحظ في قاعة الصلاة الرئيسية حرصاً على توظيف تقنيات الإنشاء لتقليل أعداد الأعمدة الحاملة، وهي هنا ترفع السقف مباشرة عبر امتداد تيجانها، في استغناء صريح عن رفع السقف على العقود، وتلك إيماءة من بعيد إلى العمارة النجدية لا تخطئها العين.
ها هو باطن القبة الرئيسية يستحيل إلى واحة من نور عبر الجمع بين الإضاءة الطبيعية المنهلة من النوافذ المفتوحة في رقبة القبة وبين الإضاءة الكهربائية المكثفة.
التماثل في المشروع الزخرفي سنلحظه في التوظيف البديع للخشب وللحشوات الخطية وفي الاهتمام الفائق بحائط القبة وبتحقيق التناسب بين القامة البشرية وبين المحراب بالأسلوب نفسه المتمثل في التخلص عبر المؤثرات الهندسية. لكنه لا يمحو من الذاكرة قط ذلك التوظيف البديع للأعمدة وللحفر البارز في الجص وللزجاج المعشق الذي يكسو الشبابيك والكوى حلة بديعة من نور.
كامل يوسف - تصوير: أشرف العمرة


