في باريس وفي منتصف نوفمير عام 1866 م ولد الطفل «رينيه جينو» لأسرة كاثوليكية تعيش حياة ناعمة وتمر الأيام لينتقل «جينو» إلى الجامعة ولكنه لا يستطيع التعامل مع مناهجها الصماء حيث كان بداخله تطلع دائم إلى المعرفة بمعناها الصوفي.. هذا التطلع الذي قاده ليصبح واحداً من أشهر الفلاسفة الفرنسيين بعد أن أشهر اسلامه.
وبدأت رحلة «جينو» نحو الاسلام عندما التقى العالم الفرنسي «شمبرينو» والذي كان يعتنق الاسلام وساعد «جينو» في إصدار مجلة بعنوان «المعرفة» كانت تهتم بنشر الأبحاث عن الديانات المختلفة كالاسلام والديانة البوذية والديانة الهندية. وكانت تنتقد كل ما يراه غير مستقيم في المدارس الروحانية والتي كانت منتشرة في باريس في ذلك الوقت. لكن الفضل في اسلامه يرجع إلي الشيخ عبد الرحمن عليش الذي اهدى اليه جينو احد كتبه فيما بعد.والذي ينتسب لاسرة مغربية الاصل، وجده الشيخ محمد عليش الكبير الذي درس بالأزهر وتقليد مشيخة السادة المالكية والافتاء بالديار المصرية. وقد سبق دخول جينو للإسلام محاولات طويلة من الشيخ عليش ظل خلالها يفتح السبل امام تلميذه جينو، ويهديه إلي الطريق الحق مما جعله يكتب في مختلف المجالات عن انحراف الماسونية وهو ما أثار الماسونيين عليه، كما انتقد الروحانية المزيفة..
وتوالت كتاباته عن انحراف البروتستانتية أيضاً، مما أثر عليه، وبعد اسلامه عرضت عليه بيوت النشر في باريس السفر إلى مصر ليتصل بالثقافة الصوفية، وجاء إلى مصر وعاش في حي الازهر متخفياً لا يتصل بالأوروبيين ولا بالحياة العامة شاغلاً كل وقته في دراسته.
وأصبح رينيه جينو.. أو الشيخ عبد الواحد يحيى واحداً من الدعاة المعروفين بتمسكهم الشديد بتعاليم الدين، وراح يتصدى لكل من يحاولون تشويه صورة الاسلام.. وأكد من خلال كتاباته المتعددة على فضل الحضارة الاسلامية على أوروبا.
اليقين بالحق وعن سبب اسلامه يقول: أسلمت لأنني أيقنت أن محمداً صلى الله عليه وسلم أتى بالحق، ولو أن كل صاحب فن من الفنون أو علم من العلوم قارن كل الآيات القرآنية المترابطة بما تعلم جيداً كما فعلت لاسلم.. بلاشك إن كان عاقلاً من الأغراض والأمراض. إن الشيخ عبد الواحد يحيى ليس مجرد فرنسي شهر أسلامه، ولكنه صار أحد رجال التصوف الذين تعمقوا في اغوار الدين الاسلامي، ولو كنت قد رأيته اثناء اقامته بالقاهرة.
حيث كان يسكن في حي الازهر، لحسبته واحدا من مشايخ الازهر وعلمائه، فقد كان يرتدي الزي الأزهري المعروف، ولحيته مرسلة، وكان معروفا ومحبوبا لدى الجميع، حتى أنه تزوج من مصرية، هي ابنة أحد مشايخ الازهر، وانجب منها ثلاثة ابناء: بنتين وولد، ومن القاهرة كان يراسل الصحف والمجلات الفرنسية التي كانت ترحب بنشر كل ما يكتب عن الدين الاسلامي ومبادئه وقواعده وأسسه وتعاليمه.
كتب رينيه جينو - أو الشيخ عبد الواحد يحيى - عن التصوف والطرق الصوفية فقال: ربما كانت العقيدة الاسلامية - من بين العقائد الموروثة - هي العقيدة التي يظهر فيها بوضوح التفرقة بين جزأين متكاملين هما: الظاهر والباطن.. اعني «الشريعة» وهي الباب الذي يدخل فيه الجميع و«الحقيقة» ولا يصل اليها الا المصطفون الاخيار.
وهذه التفرقة ليست تحكمية، وإنما تفرضها طبيعة الأشياء، مع أن الباطن لا يعني فقط الحقيقة، وإنما يعني كذلك السبل الموصلة اليها، أعني الطرق التي تعود بالإنسان من الشريعة إلى الحقيقة. والطريقة والحقيقة مجتمعتان يطلق عليهما «التصوف»، والتصوف ليس مذهبا لأنه الحقيقة المطلقة، والطرق ليست مدارس مختلفة، لأنها طرق، أي سبل موصلة جميعها إلي الحقيقة المطلقة، والتصوف ليس شيئاً اضيف إلى الاسلام، وانما هو جزء جوهري من الاسلام.

