استطاع أن يتفرد على صعيد التلاوة والتجويد فأطلق عليه البعض خادم القرآن الكريم الأول، حيث يرجع له الريادة في تسجيل أول مصحف مرتل للإذاعة، كذلك هو صاحب المصحف المعلم، وهو القارىء الوحيد الذي قرأ القرآن الكريم في البيت الأبيض الأميركي، كذلك هو أيضاً أحد الهامات المتميزة على صعيد الابتهال، ويكفي المرء المسلم ان يسمعه يصدح مؤذنا بصوت يدعو للتلبية والذهاب للصلاة.

كما يعد أيضا الإستماع إليه في ابتهال (التعطيرة الشريفة) يمثل أملاً وطموحاً يهفو إليه كل المسلمين. استطاع الشيخ محمود خليل الحصري أن يضع كل مبتهلي عصره وما لحقهم في مأزق كبير عندما شدا بهذه الكلمات العطرة في التعطيرة الشريفة، فالوصول إلى مستواه في الابتهال بات أمراً صعب المنال، وهذا بشهادة كبار المبتهلين وعلى رأسهم الشيخ النقشبندي الذي ذكر في أحد حواراته أن الحصري أفضل مبتهل أدى هذه القصيدة الرائعة التي تغنى بها الكثير من المبتهلين.محمود خليل الحصري من مواليد قرية شبرا النملة مركز طنطا بمحافظة الغربية عام 1917م، كان أبوه قد نزح من قرية سنورس بمحافظة الفيوم إلى قرية شبرا النملة، فألحقه بكتابها عند بلوغه الرابعة من عمره، فكان يحفظ القرآن سماعياًً، ثم يكتب ما حفظه على اللوح بعد أن تعلم الحروف الأبجدية، وقد أتم حفظ القرآن في الثامنة من عمره،.ولم تكن المعاهد الدينية في ذلك الوقت تسمح بقبول الطلاب قبل أن يتم الثانية عشرة من عمره، فظل مع شيخه ومحفظه بالكتاب فتعلم اصول التجويد والتلاوة، حيث كان يذهب إلى مسجد القرية في صلاة العصر، ليقرأ ما يتيسر من آيات الذكر الحكيم.

نال الحصري إستحسان مستمعيه، وفي ذات الوقت بدأت الناس تتعرف عليه، وتدعوه ليشاركهم أفراحهم وحفلاتهم حتى نضج صوته وعلا صيته في القرية كلها، وعند بلوغه الثانية عشرة من عمره التحق بالمعهد الديني بمدينة طنطا، وظل يدرس حتى مرحلة الثانوية العامة، ثم انقطع عن الدراسة بعد ذلك لتعلم القراءات العشر، وفي تلك الفترة كان يذهب لإحياء الليالي والمآتم كلما دعي إلى ذلك وظل مقيماً بقرية شبرا النملة حتى التحق بالإذاعة عام 1944م.ويذكر نجله سيد الحصري أن بداية الشيخ الحصري مع القرآن تعود إلى سنة 1928م، عندما دعاه شيخ الخفر لإحياء حفل في داره في بيته ووعده بإعطائه ثلاثين قرشا في نهاية هذا الشهر وكانت سعادته كبيرة، فسنه مازالت صغيرة وهب وقرأ إلا أن شيخ الخفر لم يعطه سوى عشرين قرشاً، وفي عام 1944م تقدم للإذاعة بطلب تحديد ميعاد لامتحانه، وبالفعل تم تحديد ذلك الميعاد وأجتاز الاختبار، وتم التعاقد معه في نفس اليوم، فكانت أول قراءة له على الهواء مباشرة يوم 16 نوفمبر عام 1944م وكان وقتها لا يزال مقيماً بقرية شبرا النملة.

ويشير إلى أن أول تعيين للحصري كان اختياره كشيخ لمقرئة سيدي عبدالمتعال بمدينة طنطا، وفي عام 1948م صدر قرار بتعيينه مؤذناً بمسجد سيدي حمزة، وكان ذلك بتاريخ السابع من شهر أغسطس عام1948م، إلا أن حبه لقراءة القرآن وتلاوته ولرغبته في أن يكون صيته مشهوراً.

فطلب أن يكون قارئاً للسورة يوم الجمعة بدلاً من وظيفة المؤذن الذي راتبه أعلى، فصدر قرار بنقله إلى وظيفة قارئ سورة بتاريخ العاشر من أكتوبر عام 1948م، بنفس المسجد إلى جانب عمله شيخاً لمقرئة سيدي عبدالمتعال، ثم صدر قرار وزاري بقيامه بمهمة الإشراف الفني على مقاريء محافظة الغربية.

وفي السابع عشر من يوليو1949م، انتدب للقراءة بمسجد سيدي أحمد البدوي بمدينة طنطا، وظل بالمسجد الأحمدي حتى عام 1955م، حيث توفي الشيخ الصيفي الذي كان قارئاً للسورة بمسجد الإمام الحسين بالقاهرة، فتم نقله إلى القاهرة قارئاً للسورة بمسجد الإمام الحسين.

فانتقل إلى القاهرة وأقام فيها حتى وفاته. تقلد الشيخ الحصري مناصب عديدة كلها في خدمة القرآن، فقد تم تعيينه شيخاً بعموم المقاريء المصرية عام 1960م ثم مستشاراً فنياً لشؤون القرآن بوزارة الأوقاف في عام 1963م فرئيساً للجنة تصحيح المصاحف ومراجعتها بالأزهر عام 1963م فخبيراً فنياً لعلوم القرآن والسنة عام 1967م بمجمع البحوث الإسلامية.

رشحت وزارة الأوقاف الشيخ الحصري في عام 1960م، لمرافقة الرئيس جمال عبدالناصر في زيارته لبعض الدول الإسلامية في آسيا كالهند وباكستان، وكان من المفروض أن يسبقه الشيخ الحصري إلى تلك الدول؛ ليقرأ القرآن للمسلمين هناك؛ فأرسلت وزارة الأوقاف خطاباً إلى سفارتها في الهند تخطرهم بميعاد وصول الشيخ ليكون هناك من يستقبله إلا أن الشيخ فوجئ عند وصوله مطار بومباي بالهند بعدم وجود من يستقبله، فكان في حيرة شديدة ولم يدر ماذا يفعل إلا أن الله هداه لأن يستقل إحدى سيارات التاكسي.

ووقف بأحد الشوارع بوسط المدينة حائراً ينظر إلى الناس وهم كذلك ينظرون إليه وإلى عمامته وجبته وشكله غير المألوف بالنسبة لهم، فأستوقف أحد المارة وأخذ يشير إليه بكلتا يديه بإشارات تعني رغبته في إرشاده عن مكان يبيت فيه، فاصطحبه إلى أحد الفنادق، وفور وصوله قام بإعطاء المسؤولين عن الفندق خطاباً مدونا عليه بالإنجليزية مستر صلاح العبد وكان مستشار مصر الثقافي في الهند.

وهو بلديات الشيخ وأفهم المسؤولين عن الفندق بإشارات توحي بأنه يريد الاتصال به، وفعلا تم الاتصال به عن طريق التلفون وأتى إليه وانتهت مشكلته في تلك الزيارة بلقائه بالأستاذ صلاح العبد، ولكنه ومنذ ذلك الوقت قرر ألا يسافر إلى أي دولة أجنبية أو عربية، إلا بعد أن يتصل بنفسه بالمسؤولين بالسفارات المصرية حتى لا يقع في حيرة مرة أخرى وكان رحمه الله يضحك كثيراً كلما تذكر هذه الواقعة.

قام الشيخ الحصري بتأليف العديد من الكتب وبذلك فهو يعد أول قاريء بل وآخرهم فيما أعتقد يؤلف كتباً في القراءات المختلفة، حيث كان أستاذه المرحوم الشيخ الضباع شيخ عموم المقاريء المصرية الأسبق هو الذي أوحى إليه بهذه الفكرة لما رأى فيه قدرة كبيرة على الصياغة والتأليف، وكان الشيخ الضباع يتابع ويراجع ما يكتبه الشيخ الحصري.

وقد ألف الشيخ الحصري بعض الكتب عن القراءات العشر، وكان يطبعها على حسابه ويوزعها مجاناً حتى انه أعطى هذه الكتب للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية مجاناً، وكان المجلس يوزعها بسعر رمزي جداً وكان ذلك يسعد الشيخ الحصري جداً. تزوج الشيخ الحصري عام 1938م، ولأنه كان معروفا عنه كثرة الأسفار، ولذا فالعبء الأكبر كان يقع على عاتق زوجته.

وهي التي قامت بإعداد الأبناء وتربيتهم، خاصة وأن الشيخ كان نادراً ما يجلس مع أبنائه؛ لكثرة إنشغاله بالقرآن ورسالة تلاوته وقراءاته وإعداد الكتب الخاصة بالتسجيلات كل ذلك كانت الأم والزوجة هي التي تشرف على توفير سبل الراحة له ولأولاده، واستطاعت أن تؤدي هذه المهمة علي أكمل وجه، واستطاعت أن تهيئ المناخ المناسب ليستمر في رسالته دون أن تحمله مشقة متابعة وتربية الأبناء، وما يحتاج من جهد كبير، وكان كل ذلك تقوم به عن طيب خاطر. كان الحصري أباً حنوناً جداً.

ولكنه يهتم اهتماماً شديداً بحفظ القرآن، وقد استطاع أن يجعل أبناءه جميعا من حفظة القرآن، حيث كان رحمه الله يعطي كل من حفظ سطراً قرش صاغ بجانب مصروفه اليومي، وإذا أراد زيادة يسأل ماذا تحفظ من القرآن، فإن حفظ وتأكد هو من ذلك أعطاه، وقد كانت له فلسفة في ذلك، فهو يؤكد دائماً على حفظ القرآن الكريم لأنه من يحفظ كتاب الله يحظى برضاء الله ثم رضاء الوالدين.

وفي عام 1980م، عاد الشيخ محمود خليل الحصري من رحلته من السعودية مريضا، وقد زاد عناء السفر وإجهاده من مرضه، الذي كان يعاني منه وهو القلب إلا أن المرض اشتد عليه بعد ثلاثة أيام من عودته، ونصح الأطباء ذويه بضرورة نقله إلى معهد القلب، إلا أن الشيخ رفض نصيحة الأطباء، بل ورفض تناول الأدوية مرددا: (الشافي هو الله)، إلا أن حالته الصحية تدهورت وتم نقله رغما عنه إلى معهد القلب، وقد تحسنت صحته فعاد إلى البيت مرة أخرى، إلا أنه بعد عودته بايام أصيب بأزمة قلبية قوية.

وكان ذلك في اليوم الاثنين الموافق 24 نوفمبر عام 1980 م، ذلك اليوم الذي فاضت فيه روحه إلى بارئها بعد أن أدى صلاة العشاء مباشرة، بعد أن أوصى بثلث تركته للإنفاق منها على مشروعات البر والخير ولخدمة المسجدين، التي شيدهما للقاهرة وطنطا والمعاهد الدينية الثلاثة الإبتدائي والإعدادي والثانوي الأزهري.

ومكتبين لحفظ القرآن الكريم في المسجدين بالقاهرة وطنطا وحفاظ القرآن الكريم ومعلميه والإنفاق فى كافة وجوه الإحسان. هكذا رحل الشيخ الحصري، هذه العبقرية، التي تقوم على الإحساس اليقظ جدا بعلوم التجويد للقرآن الكريم.

وهى علوم موضوعية داخلية تجعل من البيان القرآني سيمفونية بيانية تترجم المشاعر والأصوات والأشياء فتحيل المفردات إلى كائنات حيه، وكذلك تأثره بالقرآن الكريم، حيث كان عاملا بما يقول، فكان صاحب ورع و تقوى، كست الصوت رهبة ومخافة، فأثرت الصوت خشوعا وخضوعا لله عز و جل، مما أثرت فى أذان سامعيه، سواء كان قارئا للقرآن أو مؤذنا أو مبتهلا.

كان الشيخ الحصري إضافة إلى كونه قارئاً للقرآن الكريم عبر أكثر من أربعين عاما، وفى الإذاعات المصرية والعربية والإسلامية، كان عالما فى علم القراءات العشر، ويعرف طرق روايتها وجميع أسانيدها، وكان يحاضر في كثير من الجامعات المصرية والعربية والإسلامية، فكان عالما ذا رسالة نبيلة، بل هي أعظم رسالة في دنيا العلوم والمعارف، وهي رسالة حفظ كتاب الله من أي تحريف وتشويه، و كان مراجعا لكتاب الله سواء في الإذاعة مختبرا للقراء الجدد.

ومراجعا لكتابة المصحف، كذلك ظل شيخا لقراء العالم الإسلامي طيلة عشرين عاما وكان عضوا في مجمع البحوث الإسلامية، وبالرغم من كل ذلك ظل متواضعا يحب الفقراء ويجالسهم ويعطف عليهم. سافر الشيخ الحصري إلى جميع الدول العربية والإسلامية، وكذلك روسيا والصين وسويسرا وكندا، واغلب عواصم العالم، استقبله عدد كبير من الملوك والرؤساء في أغلب دول العالم، وعلى سبيل المثال الرئيس الأميركي جيمي كارتر.