ولا نزال ـــ أيها الأحبة ـــ مع سورة الرحمن عروس القرآن سورة الميزان والتوازن، والتوازنات في الكون والحياة والإنسان عديدة ـــ كما أشرنا إلى ذلك (انظر حلقة الأمس) ولو مضينا في تفاصيل ذلك لاستغرق منا حلقات عديدة ونحن نحتاج إلى نفحات أخرى من بستان إسلامنا القيم، فدعونا نمضي مع التوازن النفسي الإنساني هذا الذي اختل في الجاهلية فجاءت الرسالة الخالدة الإسلام وهذا القرآن المبين، ليعيد للإنسان توازنه الذي اختل «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم» سورة الإسراء: 9.

لقد عاشت البشرية في جاهليتها الأولى صراعات وحروباً متواصلة، القوي يتغلب على الضعيف ولا سلطان للعقل أو الحكمة، وإنما البقاء للأقوى تماماً كقانون الغاب، وليس هذا الأمر قاصراً على منطقة دون أخرى وإنما هو عام في سائر الكرة الأرضية وأكبر مثال على ذلك القوتان العظمتان في ذلك.. الروم والفرس، الحرب متصلة بينهما مرة تكون الغلبة للفرس وتارة للروم وهكذا.

أما في جزيرة العرب فحدث ولا حرج، غارات القبائل على بعضها وحروب تستغرق السنوات لأتفه الأسباب كحرب داحس والغبراء وحرب البسوس الشهيرتين في تاريخ العرب ويظل الحال على هذا المنوال إلى أن يشرق فجر الإسلام ليبدد بنوره تلك الظلمات.. يؤلف بين القلوب فإذا القبائل العربية المتخاصمة المتحاربة تكون رافعة راية الإخوة الإنسانية، فبعد أن توحدت الجزيرة العربية بعقيدة التوحيد انطلقت في الأرض تنشر العدل.

وتخرج الناس من ذلك الضيق الذي حشروا فيه أنفسهم طواعية إلى تلك الحرية الحقة التي وجدت فيها البشرية توازنها من جديد بعد ذلك الاختلال والاضطراب الذي ضاقت به ولم تجد منه مخرجاً إلا في ظل الدين العظيم .

ومن عجيب الأمر، إننا في هذا الزمان، نحن أمة القرآن التي علّمت الأمم معنى التوازن، نفقد هويتنا بابتعادنا عن شرعتنا ومنهاجنا فتتداعى علينا الأمم، إنه لأمر مرير حقاً أن نجد الآخرين يركضون نحو التوازن الاقتصادي والعسكري والسياسي والبيئي وغير ذلك من التوازنات ونحن نفتقد كل ذلك، فهذه أوروبا تتوحد وتتكتل على الرغم ما كان بينها في الحربين الأولى (1914 ـــ 1919) والثانية (1939 ـــ 1945) فهذه سوق أوروبية مشتركة، وهذا حلف عسكري مشترك، وحتى العملة توحدت (اليورو) والحدود مفتوحة بين دولها يتنقل الأوروبي من قطر أوروبي إلى آخر.

ونحن ماذا أقول عن واقعنا وكلنا يعرفه تماماً ولا يحتاج لشرح أو تفصيل، وليت الأمر يقف فينا عند حد التفكك. وكل هذا الذي صرنا إليه، لم يحدث إلا في غياب ما صلح به أولنا.. أولئك الذين فهموا إسلامهم فهماً حقيقياً عبادات ومعاملات ومنهاجاً وسلوكاً فكانوا سادة الأرض، وبذلك الفهم الصحيح عاشوا التوازن الذي نتحدث عنه.

لقد كانوا يمارسون العبادات التي نمارسها من صلاة وزكاة وصوم وحج، فالخلل والعيب ليس فيها إذن وإنما فينا نحن المسلمين المعاصرين فصلاتنا ما عادت تنهانا عن الفحشاء والمنكر، أليست هذه حقيقة ماثلة أمام أعيننا، على الرغم من أننا نجد الصلاة يرد ذكرها في كثير من آيات الذكر الحكيم لعظيم شأنها، من ذلك قوله تعالى: «إن الإنسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعاً.

إلا المصلين. الذين هم على صلاتهم دائمون» سورة المعارج ـــ الآيات 19 ـــ 23. أرأيت ـــ يا رعاك الله ـــ هذا الاستثناء مما عليه الإنسان؟ إن المصلين الذين يقيمون صلاتهم في خشوع ويداومون عليها يستثنيهم ربهم العالم بكل شيء فهل هناك أعظم من هذه الصلاة التي هي عمود الدين؟

ومع ذلك نجد قوماً يصلوها وكأنهم يؤدون واجباً يرتزقون منه، تجدها في ظواهرهم وليست في قلوبهم، بدليل أنها ـــ هذه الصلاة ـــ لم تنه هؤلاء عما يمارسونه من الفحشاء والمنكر وقد قال تعالى: «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون» سورة العنكبوت ـــ الآية 45.

وإذا تحدثنا عن الصيام ـــ وقد سبق أن تحدثنا عنه بالفعل في حلقات سابقة بدءاً من استقبالنا له مروراً بأحكامه وفضائله ـــ ولكننا هنا نتناوله من زاوية أثر العبادات في التوازن في معايشتنا لسورة «الرحمن» كسورة للميزان والتوازن، فمن مزايا الصيام أن يعيد لنا التوازن في كل ما يتصل بحياتنا، غير أن البعض ـــ للأسف الشديد ـــ يجعلونه شهراً للسهر لساعات طويلة لا في العبادة والذكر وإنما في اللهو والتسلية الفارغة التي لا تعود على صاحبها بالنفع.

أما إذا مدت موائد الإفطار فحدث ولا حرج.. أكداس وأكداس من شتى ألوان الطعام التي لا يتناول بالطبع إلا الشيء القليل والباقي مصيره المزابل. إسراف مبالغ فيه لا يقود إلى التوازن المطلوب وإنما إلى اختلال واضطراب مقيت. يقول الشيخ محمد سويد: «ما قيمة هذا الصيام المرفه المتخم الذي يحرم الفقير لقمة العيش ويختطفها من بين يديه؟

إن الصائمين الذين يتبارون في الإكثار من ألوان الأطعمة والذين تغص موائدهم بالأطباق المتنوعة خير لهم أن لا يصوموا لأن الصيام ليس مرضاً وآلام بطن ومعدة وجسد يسببها إدخال الطعام على الطعام وإنما هو صحة وعافية «صوموا تصحوا» هكذا قال معلم البشرية الأول صلى الله عليه وسلم..«إلى أن يقول الشيخ سويد: «هذا الشهر هو مطبخ الفكر فيه يجب أن يضع المسلمون خطوط الإصلاح والانطلاق إلى العمل المثمر الخلاق، يصلح المسلم بيته، ثم ينطلق إلى المجتمع، وهكذا ينقلب المجتمع إلى ورشة عمران ومشروعات لا حصر لها.

إن الإسلام يأمرنا أن ننوع الغذاء الفكري أولاً وأن نجعل مائدة رمضان غنية بالعلم والتفقه في الدين، لا أن نتخم موائدنا بالأطباق الشهية التي تسبب البطنة وتذهب بالفطنة. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رجعنا من الجهاد الأصغر (الحرب) إلى الجهاد الأكبر (النفس) والصوم تهذيب للنفس وتقويمها ويعيد لها توازنها.