السؤال الذي يفرض نفسه لدى كل المهتمين بقضايا الاستشراق هو: هل الاستشراق إلى زوال؟ توجد في هذا الصدد إجابات ورؤى مختلفة، فالبعض يرى أن مستقبله ينحصر في كونه سيذوب في مختلف العلوم الإنسانية التي يكونها بانتظار أن يسيطر العرب المسلمون شيئا فشيئا على المناهج الحديثة في البحث .

ويفقد الاستشراق كل سبب للوجود، فعدا عن كون الاستشراق حلقة صغيرة في سلسلة المعرفة العالمية في الأصل خلال قرن من الزمان (1850 - 1950) كان وجود الاستشراق مشروطاً بعجز العالم الإسلامي عن معرفة ذاته فكان الاستشراق في حد ذاته دليل وصاية فكرية وتقليل من شأن الشرق.

ومن هنا يقول المستشرق الفرنسي أندريه ميكيل أن العرب إذا أرادوا أن يعلنوا موت الاستشراق ونهايته فعليهم أن يدرسوا حضارتهم بأنفسهم دراسة علمية لأن الخطاب الذي سينتج حينئذ عن المجتمعات العربية سيولد هذه المجتمعات ذاتها، وبالتالي سينفي الاستشراق بوصفه كذلك.

وقد تحقق شيء من ذلك في المؤتمر التاسع والعشرين للاستشراف الذي عقد في باريس في صيف عام 1973 بمناسبة العيد المئوي للاستشراق تحت عنوان المؤتمر العالمي للدراسات الإنسانية في آسيا وشمال أفريقيا والذي تقرر فيه رغم معارضة الوفد الروسي إلغاء كلمة الاستشراق من القاموس واستبدالها بكلمة الدراسات الإنسانية وأصبح مؤتمر الاستشراق تحت العنوان الجديد »مؤتمر الدراسات الإنسانية في آسيا وشمال أفريقيا«.

غير أن البعض يرى رؤية أخرى مخالفة تذهب إلى أن الاستشراق ما زال بعيدا جدا عن الموت واحتضاره أو حتى عن مرحلة الهزال وأنه ما زال قويا وما زال يمارس دوره ولكن بطريقة أخرى وأساليب مختلفة تختلف عما كان عليه قبل النصف الثاني من القرن العشرين وذلك في ظل تزايد أهمية الشرق الأوسط على وجه الخصوص من الناحيتين السياسية كموقع استراتيجي والاقتصادية كثروة بترولية حيوية للغرب وتقدمه وصناعاته.

وهذه الأساليب تتمثل في وكالات المخابرات الأجنبية وعلى رأسها وكالة المخابرات الأميركية التي تعد الآن أكبر معهد أو مؤسسة استشراقية في التاريخ وتتبع أحدث النظم العلمية والتقنية العالية جدا في جمع المعلومات وتحليلها وتوظف الخبراء والخبرات ذات المستويات العلمية العالية لهذا الشأن.

فالاستشراق، وفق هذه الرؤية لن يموت أبدا ما دام هناك غربا طامعا وطامحا ومادام هناك شرق غني بثرواته ومهم في موقع الإستراتيجي الذي يشكل ضمانا لأمن الغرب وتقدمه.

ويؤكد هذه النظرة باحثون إسلاميون يرون أن الحديث عن موت الإستشراق بأي معنى من المعاني ضرب من الخيال فالمسألة ليست بهذه البساطة ولا يمكن القول بأن الحركة الاستشراقية بدأت تنحسر وأنها تعيش آخر أيامها فالحركة ما زالت متماسكة وقوية ومنظمة بل على العكس من ذلك فقد شهدت الجامعات الغربية نشاطا استشراقياً واضحا في نهايات القرن العشرين تمثل في وجود دارسين عرب ومسلمين كانوا يمارسون التدريس والبحث ضمن المناهج الاستشراقية المعروفة كما تتمثل بوجود عدة كراس علمية للدراسات الإسلامية والعربية بدعم من بعض الدول العربية كما يقبل بعض المستشرقين على الإسلام ويعتنقونه.

mostafa1962@hahoo.com