الاعتكاف لغة الافتعال، من عكف على الشيء عكوفا وعكفا. إذا لازمه وواظب عليه، وعكفت الشيء: حبسته. ومنه قوله تعالى: (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله) سورة الفتح: الآية 25، وعكفته عن حاجته، منعته. والاعتكاف حبس النفس عن التصرفات العادية.
والاعتكاف شرعا: اللبث في المسجد على صفة مخصوصة بنية، وقال القطب اطفيش في شرح النيل: (اللبث في المسجد للعبادة، معزوما على دوامه يوما وليلة، أو يوما وبعض الليل، مما يلي آخره فأكثر). وأقله ساعة دخولك المسجد، ذلك أنـَّه حبس لحركتك العقلية والدنيوية في بيت من بيوت الله لحيِّز زمنيٍّ معلوم. قال صحابي: (كنَّا نخلِّف أمر الدنيا مع نعالنا)، فأضاف آخر: «وأقدارنا».
وسمع الرسول صلى الله عليه وسلم رجلا ينشد ضاَّلته في المسجد فقال له: (لا ردَّ الله لك ضالتك). أما دليل مشروعيته فمن القرآن الكريم، ومن السنَّة الشريفة، ومن إجماع الأمَّة، ففي القرآن الكريم: قال الله تعالى: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركَّع السجود) سورة البقرة: الآية 125.
وقد ورد في معنى العاكفين عدَّة تأويلات، ولكن أولاها بالصواب ما قاله عطاء، وهو أنَّ (العاكف في هذا الموضع المقيم في البيت مجاور فيه بغير طواف ولا صلاة؛ لأنَّ صفة العكوف ما وصفنا من الإقامة بالمكان).
هنا في الآية السابقة إبراهيم عليه السلام طهَّر البيت لثلاثة أصناف هم: الطائفون، والعاكفون، والمصلون... فنحن في حجِّنا واعتمارنا نقوم باثنين، وتنقصنا ثالثة، ففاتنا فضلها ثم ان الاعتكاف قديم، وهو من عهد إبراهيم عليه السلام، فليس خاصا بأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم.
وقال تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) سورة البقرة: الآية 187. وفي الحديث عن عائشة قالت: (كان النبي (ص) يعتكف العشر الأواخر). متفق عليه. و»روي أنَّ الرسول (ص) لم يعتكف في سنة في رمضان لأنه سافر، واعتكف من قابل في رمضان عشرين، كأنه استدرك عشرة العام الماضي، وذلك عام موته.
والاعتكاف منه: المسنون والمندوب، ومنه الواجب اما المندوب: وهو أن ينوي الاعتكاف تطوعا لله تعالى.
وأقله لحظة، أو ساعة، أو يوم، أو يوم وليلة حسب اختلاف الفقهاء. وهو سنة في كلِّ وقت، ويسن ألا ينقص عن يوم وليلة. قال القطب: (سن الاعتكاف وندب في كل زمان. ولا سيما في العشر الأواخر من رمضان لموافقة ليلة القدر). والواجب: لا يجب الاعتكاف إلاَّ بالنذر عند الجمهور منجزا أو معلقا، وبالشروع في الاعتكاف المسنون ذلك أنَّه (ما ألزم نفسه وعقد عليه لزمه).
فضل الاعتكاف
ورد في الأثر (من اعتكف في العشر الأواخر من رمضان غفرت له ذنوبه) وقال الحسن بن علي قال رسول الله ص: (من اعتكف عشرة في رمضان كمن حجَّ حجَّتين واعتمر عمرتين) وبخاصة إذا كان ذلك في المسجد الحرام، ومعروف قول الرسول ص: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف فيما سواه).
وحكمة مشروعية الاعتكاف التشبه بالملائكة الكرام في استغراق الأوقات في العبادة، وحبس النفس عن شهوتها، وكف النفس عن الخوض فيما لا ينبغي. وقال صلى الله عليه وسلم: (لا اعتكاف إلا بصوم) ومن اعتكف في أول رمضان أو وسطه أو آخره أجزاه صوم رمضان، ولا يجزي صوم كفارة ولا التطوع.