حتى الهوايات التي مارسها صغيرا حجزت لها في الذاكرة مكانا وأصبحت مكونا من مكوناتها الرئيسية. كانت هوايات من ذلك النوع الذي انتشر في تلك المرحلة من الزمن، وقد فرضت عليها المرحلة وسائلها، وقدمت لها أفضل ما هو متاح وقتها لممارستها.
لذلك كان البريد وسيلة مهمة لممارسة هواية «المراسلة» التي تعلق بها في فترة مبكرة من العمر بعد أن اجتاز مرحلة من الدراسة مكنته من القراءة والكتابة بشكل أتاح له إشباع نهم القراءة لديه ودفعه إلى البحث عن وسائل لإشباع نهم الكتابة، فكانت المراسلة واحدة من هذه الوسائل.
كانت المجلات التي بدأ قراءتها هي البوابة التي ولج منها إلى ممارسة هذه الهواية بعد أن أغرته أبواب التعارف وهواة المراسلة للقيام بإرسال اسمه وصورته وعنوانه إلى واحدة منها. كان بإمكانه أن يقوم بمراسلة واحد أو أكثر ممن كانت أسماؤهم وصورهم وعناوينهم منشورة في تلك المجلات، لكنه فضل أن يرسل هو اسمه وصورته وعنوانه، وأن ينتظر من سيبادر إلى مراسلته بدلا من أن يكون هو المبادر.
مرت أربعة أسابيع قبل أن يرى اسمه وصورته وعنوانه منشورة في باب «التعارف» في تلك المجلة، وكانت فرحته بنشر صورته للمرة الأولى في حياته لا توصف، بل لعلها كانت تكفيه لو لم يبادر أحد إلى مراسلته أو الكتابة إليه، لكن هواة المراسلة لم يخيبوا أمله إذ بدأت الرسائل تصله بعد أسبوع تقريبا من ذلك اليوم التاريخي الذي رأى فيه صورته منشورة في باب التعارف.
هنا بدأت رحلته مع البريد الذي أصبح قلبه معلقا به، يسأل والده كلما دخل البيت عما إذا كان قد تفقده علَّ رسالة من صديق تكون قد وصلت إليه. كان البريد في تلك الأيام هو وسيلة التواصل الأولى وربما الوحيدة في ظل غياب الوسائل الحديثة كالإنترنت والبريد الإلكتروني والرسائل النصية التي تطيرها الهواتف النقالة في ثوان مخترقة جهات العالم الأربع لتصل إلى مستقبليها بعد ثوانٍ من إرسالها إن لم يكن في اللحظة نفسها التي أرسلت فيها.
لم تكن زيارات والده لتفقد صندوق البريد تزيد عن واحدة أو اثنتين خلال الأسبوع الواحد. ولم تكن هاتان الزيارتان كافيتين لإطفاء لهفته لاستقبال الرسائل التي كانت تصله من أصدقاء لا يعرفهم في بلدان لم يرها، لذلك كان كثيرا ما يأخذ طريقه إلى مركز بريد «ديرة» للنظر من ثقب صندوق البريد والفراغات التي يتيحها له ميل باب الصندوق إلى أسفل أو أعلى قليلا لمعرفة ما إذا كان هناك رسائل أم أن الصندوق فارغ لم يستقبل جديدا.
وكان كثيرا ما يلجأ إلى وضع حجر تحت رجليه يرفع به قامته قليلا كي يصل إلى الفتحة العليا من الصندوق عندما لا تسمح الفتحة السفلى منه برؤية شيء مما بداخله. وكان يجد من الجرأة أحيانا ما يجعله يطلب من والده مفتاح الصندوق والذهاب لتفقده في الأيام التي لم يكن الوقت يسمح للوالد بتفقد البريد.
هكذا لعب البريد في مرحلة من مراحل حياته دورا كبيرا يتناسب مع تلك المرحلة واهتماماتها وطبيعة الحياة فيها. واليوم كلما وقعت عيناه على حرفي (ص. ب) في بطاقة أو إعلان أو عنوان جهة ما تساءل: تُرى هل ما زال لهذين الحرفين الصدى نفسه الذي كان يجده لديه في تلك المرحلة من العمر، أم أن وسائل التواصل الحديثة العابرة للقارات قد ألغت دور البريد العادي فلم يعد لحرفي (ص. ب) ذلك البريق الذي كان يوما يخطف بصره ويثير اهتمامه؟
