صحيح أنه لم يكن قد وعى بعد على رائعة (السيّاب) الخالدة تلك، لكنه كان عاشقا للمطر منذ نعومة أظافره. لم يكن المطر زائرا دائما لمدينته كما كان شأنه مع بلدان أخرى عرفها في مرحلة لاحقة من عمره بعد أن جاب جهات الأرض الأربع, وشاهد بلدانا لم يكن قد عرفها بعد في تلك المرحلة المبكرة من العمر، لكن زيارات المطر القليلة تلك كانت تجد من الاحتفاء ما تستحقه، وتحدث في النفوس من الأثر الجميل كان يلمسه في كل من حوله وما حوله.

هو لم يكن في السن التي تسمح له بمعرفة سر ترديد الكبار لكلمة (الرحمة) كلما تواصلت السماء مع الأرض عبر زخات ولو قليلة من المطر، لكنه كان يلحظ البشر الذي يظهر على كل الوجوه وهي تستقبل المطر متهللة مستبشرة بالخير القادم معه رغم أن أصحابها من سكان السواحل الذين لا يعرفون سوى حرث البحر ولا يحصدون سوى ثمره. من يومها أدرك أن المطر ليس حكرا على فئة من البشر، ومن يومها أيضاً عرف أن للمطر على النفوس تأثيرا لا يمكن أن يحدثه بالسحر نفسه سوى المطر.

كان إذا هطل المطر خرج فاتحا ذراعيه كاشفا رأسه، مستقبلا (الرحمة) منتشيا باللحظة، غير عابئ بالبلل رغم كل التحذيرات التي كان يسمعها من والدته. لذلك كان يعجب كثيرا بعد ذلك عندما كان يرى الناس يهربون من المطر في البلاد التي سافر إليها وشاهد الأمطار تغمرها طوال العام. وكان كثيرا ما يتساءل: هل يُعقل أن يكون هناك من يهرب من (رحمة الله) التي طالما انتظرها هو وعشاق المطر، وما زال يشعر بالإحساس نفسه كلما استقبلها؟

كان مدرس الفصل يذهب بعيدا في تفسير ظاهرة المطر ويسهب في شرح الكيفية التي تتكون بها السحب وكيف تتبخر المياه ثم تتكثف، وكان هو لا يبارح فكرته تلك عن المطر رافضا أن يتعامل معه كظاهرة مناخية، مصرا على أنه (رحمة) يسوقها الله للبشر كي تعيد إلى النفوس صفاءها، وتزيل عن القلوب الجفاف الذي يحولها إلى حجارة أو أشد قسوة.

كان كثيرا ما يتساءل عما إذا كان شعوره بالمطر هذا مبالغا فيه، وعما إن كان ثمة من يشاركه هذا الإحساس أو يتفوق عليه فيه. وكان قليلا ما يجد الأجوبة الشافية لأسئلته الكثيرة التي ربما رأى البعض فيها فلسفة زائدة عن الحد لا تستحق كل هذه العناية التي يوليها إياها ولا هذا الاحتفاء الذي تجده لديه.

ربما ارتبط المطر بأشخاص ومواقف وأحداث وبلدان ومدن. هذا هو التفسير الذي يجده معقولا أحيانا عندما يحاول أن يربط بين الأشياء ربطا لا يخضعها لحسابات المنطق التي يعتقد أنها تجرد الأشياء من معانيها الكبرى فتفقدها بريقها، وتكسر الهالة التي تحيط بها، وتنزل بها من عليائها لتعود شيئا عاديا مثل سائر الأشياء الموجودة في الحياة.

ثمة أمطار من نوع آخر عرفها في مرحلة لاحقة من مراحل العمر، لم تبتعد كثيرا عن أمطار السماء بل لعلها كانت امتدادا لها. إنها أمطار الروح التي إذا اجتمعت هي وأمطار السماء ازداد الكون بهجة، وأشرقت الدنيا بكل ألوان الفرح، واخضرّت الأرض، وتفتحت الزهور، وغردت الطيور، وقالت النجمة فأصغى القمر، وأبدع الشعراء والكتاب، والتأم شمل المبتدأ والخبر.

ولكن أنى لتلك اللحظات أن تدوم أو تطول بالقدر الذي نريد أو نتمنى؟ إنها واحدة من مفارقات القدر التي تحتار فيها النفوس تاركة في الذاكرة فراغات من الصعب ملؤها إلا إذا اكتملت(أنشودة المطر).

aliobaid2000@hotmail.com