من المؤكد أن الحقائق والأرقام والوثائق والتقارير الرسمية تساعد في رسم الملامح الأساسية لصورة الجالية الإسلامية في النمسا، وهي جالية يبلغ قوامها 335 ألف نسمة حسب أحدث الإحصاءات، وتتشكل الغالبية العظمى منها من مسلمين ذوي أصول تركية وبوسنية.
غير أن هذه الصورة تظل بعيدة عن نقل الإيقاع الدافئ والحار والأصيل للحياة اليومية، وهو الأمر الذي لن يتحقق إلا بالاقتراب من الآراء والأفكار ووجهات النظر، حتى وإن كانت مختلفة وربما متضاربة لأناس تعنيهم قضية حوار الثقافات والحضارات على نحو ما نجدها تحت آفاق النمسا.وربما كان هذا التعدد في الآراء والأفكار ووجهات النظر هو مصدر الثراء الحقيقي في هذا الحوار الداخلي في النمسا، والذي ينعكس في التأييد القوي من جانب النمسا لقيام الاتحاد الأوروبي بإعلان عام 2008 عاماً أوروبياً للحوار بين الثقافات.
مصافحة أولى لعل المصافحة الأولى المناسبة للآراء المتعددة، في هذا الشأن، تتمثل في تأمل هذه الكلمات الدالة التي قالها دكتور لودفيج شتاينباخ، الأستاذ بمعهد الشرق في هامبورغ، وفي جزء من محاضرة له بعنوان «أهمية الإسلام بالنسبة لأوروبا» كان قد ألقاها في 15 سبتمبر 1998. واستعادتها هنا تستمد ضرورتها من أنها تعبر عن آراء قطاع واسع من العناصر الأكاديمية النشطة في وسط أوروبا. يقول دكتور شتاينباخ: يتعين علينا أن نعرف الحدود أو الخطوط القائمة، إن صح التعبير، بين ما لايزال يسمح به تسامحنا من ناحية وبين ما يمكن المطالبة به قانونيا من قبل أناس ينتمون إلى دين آخر ويقيمون هنا من ناحية أخرى. وهيكل ما يتعين القيام به يعد أوسع نطاقاً. وهو يمتد من المعرفة والاستنارة، على الجانبين كليهما، فيما يتعلق بالجانب الآخر، بخصوص تدريب الأئمة المسلمين.
لماذا يتعين على إمام يرغب في رئاسة منظمة في جالية أوروبية أن يدرس في تركيا أو دمشق أو السعودية أو مصر أو المغرب؟ في نهاية المطاف، سيتعين عليه التعامل مع أبناء دينه هنا. وهو لا يفترض أن يقيم صرح إسلام مغربيا هنا. وبالإضافة إلى ذلك، يثور السؤال التالي: إلى أي حد يمكن بالفعل إصلاح هذا الإسلام لتتم ممارسته في مجتمع علماني يرفضه العالم الإسلامي بصورة متزايدة؟.
إن هذا المقتطف، على إيجازه يضع يدنا على مسائل وأسئلة على جانب كبير من التقيد ثم إنه يفصح عن فهم ملتبس للعلاقة بين الإسلام وبين الدول المختلفة، ويعكس توجسات ومخاوف لا شك في أنها مؤرقة لصاحبها وأيضا لمن سيتعين عليه أن يعاني من نتائج تجذرها. ونحن لا نحاول تقويم وجهة النظر التي يعبر عنها هذا المقتطف، وإنما يهمنا الاقتراب من العالم الخلفي الذي نبع منه.
تأملات من قريب
دعنا ننتقل إلى ملمح آخر في هذه الصورة البانورامية الهائلة عن المسلمين في النمسا بعيون أشخاص بالغي الاختلاف، ربما إلى حد التناقض، حيث اللقاء هنا مع الكاتبة النمساوية بربارة فريشموت، التي تبادر إلى قول ما يلي تحت العنوان الدال »عن كون المرء خائفاً من الغرباء والغرابة»: «إنني أعتبر أن الحوار بين الأديان الكبرى شيء له مغزاه إذا لم يتم على مستوى الإلغاء المتبادل للوصايا والمحظورات، أي النظر إلى الكتب المقدسة في حرفيتها.
وهو الأمر الذي على الرغم من حسن النوايا فإنه في الغالب يطرح نفسه كتفسير متمسك برأي محدد، وإنما على مستوى أعلى درجة وهو مستوى الصوفية، فعلى الرغم من صعوبة التعبير عن التجربة الصوفية ونقلها، إلا أن ما يجري نقله يشكل القاسم المشترك الأكثر أهمية بين كل الأديان الكبرى، بما في ذلك فروعها الأصغر. وكل شيء آخر يفضي سريعاً إلى السياسة وينبغي أن يعلن أنه سياسة ويعامل على هذا الأساس.
ولما لم أكن من المسلمين الجدد ولا من الذين يمارسون العبادات المسيحية، وبالتالي فليس لي اهتمام بمشكلات وضعية جماعات دينية معينة داخل السياق الاجتماعي، فإنني مدينة للقراء بتفسير السر في أنني أزعجهم منذ بعض الوقت بالحديث عن المسلمات اللواتي يرتدين الحجاب.
والأمر راجع ببساطة تامة إلى أنهن موجودات. وهن لسن موجودات في العالم الإسلامي، وإنما في النمسا وألمانيا وأوروبا. ومعظمهن نلن جنسية الدولة التي يقمن فيها. وهكذا فإنهن أيضا مشكلة نمساوية وأوروبية، إذا كان المرء يريد حقا النظر إليهن على أنهن مشكلة ولسن عاملاً أجنبياً أصبح الآن أهلياً من عوامل التركيبة السكانية.
الاندماج
وإنني أعتقد أن التركيبة السكانية لبلد ما ينبغي أن تنعكس في الحياة العامة، العلوم الاجتماعية وفي الأدب كذلك. والاندماج لن يكون ممكنا إلا إذا كان المجتمع منفتحاً بما فيه الكفاية بحيث يسمح لمن يجري إدماجهم ــ إذا كانت لديهم المؤهلات المناسبة بالطبع ــ بالوصول إلى المواقع التي يتيحها المجتمع.
وإذا كانت مثل هذه الإتاحة واقعية إلى حد ما على الأقل فإن الحافز للاندماج، وبالتالي إرادة إطاعة القواعد السائدة، سوف يزيد. ولما كان من الشروط المسبقة للاندماج وجود جهد يعتد به لإتمام هذه العملية، فإن من المهم أن ينظر إلى المرء بحسب شخصيته، وذلك يعني ليس عدم النظر إليه بشكل عام أو حسب الصور النمطية وإنما على مستوى أرفع وأرقى».
كامل يوسف حسين


