أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب.

وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.

الراديوفي أواخر القرن التاسع عشر اكتشفت البشرية وسيلة للتراسل كانت الأكفأ والأسرع في ذلك الزمن البعيد.. كان اسمها التلغراف.. وهو اسم مشتق في تركيبه من معنى الكتابة عن بُعد أو التسجيل ــــ التدوين عبر المسافات على نحو ما تقول لغة اليونان.

وعندما توفى مخترع التلغراف ـــ العبقري الأميركي صامويل موريس عام 1872.. ظن العالم أنه قد وصلت البشرية إلى مراقي الكمال من حيث التواصل, كيف لا وقد جاءت رموز مورس الشهيرة باستخدام النقطة والشَرطة (بفتح الشين) لتحل محل التراسل عن طريق الحمام الزاجل أو بواسطة العدّائين المراسلين والنّجاب. يومها أيضاً سارع العرب ـــ مشدوهين بالطبع ـــ إلى إطلاق اسم البرق ـــ التراسل البرقي.. وتبادل البرقيات على التلغراف الذي كان مفعوله وأداؤه أقرب إلى السحر العجيب. مع ذلك فلم يكد يمضي على وفاة مورس سوى ربع قرن ولم يشأ القرن التاسع عشر أن ينقضي إلا بعد أن يطرح مفهوماً جديداً للتواصل بين البشر وعلى نحو أكفأ وأعمق وربما أكثر طرافة وجدوى.. كان ذلك في عام 1897 على وجه التحديد.. السنة التي طرح فيها الفيزيائي الفرنسي إدوارد برانلي مصطلحاً مستجداً على الأنام والأسماع وهو: «موصل الراديو».. حيث اشتق كلمة راديو ـــ ربما لأول مرة ـــ من المعنى اللاتيني الذي يقيد أديم الأثير أو خيوط الأشعة.

هكذا بدأت كلمة راديو تتسلل إلى حياة الناس في أميركا وغرب أوروبا دون أن تجد تحديدا قاطعاً أو واضحاً، فكان أن طالعها القراء في مقاله منشورة عام 1907 بقلم الكاتب «لي دي فورست» اعتمدتها مصطلحات البحرية الأميركية رسمياً في عام 1912.. وعندما حاروا في استخدامات هذه الآلة العجيبة استوردوا لها مصطلحاً من عالم الزراعة يصدق في حالة إلقاء بذور النبات على رقعة واسعة من الأرض وهو ما تؤديه حرفياً كلمة (برودكاست) في الإنجليزية.

وقد أحسن العرب حين ترجموها إلى معنى البث.. الإذاعي جنباً إلى جنب مع كلمة وايرلس بمعنى اللاسلكي وهو المعنى الذي ظل يرتبط بأداء الراديو لدرجة أن أبقت عليه إذاعات دول الكومنولث (البريطاني) حتى منتصف القرن العشرين، وهو أيضاً المعنى الذي اعتمدته العواصم العربية التي سبقت إلى هذا المجال ـــ حيث افتتحت القاهرة مثلاً أول محطتها في مايو من عام 1934 تحت شعار «الإذاعة اللاسلكية الملكية».

* من الذي اخترع الراديو المذياع كما تسميه مجامع اللغة العربية؟

ـــ ينسبون الاختراع إلى ماركوني الإيطالي مكتشف وسيلة اللاسلكي.. لكن التحقيق التاريخي يؤكد أن مخترع الراديو كما نعرفه كان أميركياً من أصل صربي اسمه نيكولا تسلا. لكن مشكلة هذا العبقري البلقاني الأصل أنه اخترع فكرة الراديو وربما صمم أول جهاز بدائي في هذا المضمار.. وزادت المشكلة من واقع التطورات التي أضيفت لسنوات طويلة على هذا الاختراع من أجل تحويله من مجرد فكرة لاستخدام موجات الأثير في المختبر ومن جهاز تجريبي للبث إلى حيث أصبح له استخدام تجاري ومن ثم إعلامي.. دعائي.. سياسي على أوسع نطاق.

من هنا لحق الظلم باسم «نيكولا تسلا» الذي جاء ترتيب ملفه ضمن سلسلة أسماء كان لها فضلها في هذا المجال.. وتبدأ الحلقة منذ عام 1878 حيث استطاع ديفيد هيوز أن يبث رموز تلغراف مورس عبر موجات الأثير.. وحيث تمكن الروسي ألكسندر بوبوف من تركيب أول جهاز راديو للاستقبال الإذاعي في سنة 1895، وبعدها بسنتين نجح تسلا في تسجيل براءة اختراع هذا الكائن الجديد الذي أطلق عليه وصف «البث اللاسلكي للمعلومات» وبهذا دخل الراديو إلى معترك الحياة العامة ابتداءً من فاتح القرن في عام 1900 على وجه التحديد.

مشكلة المخترع «تسلا» أن تداخلت مع أعماله جهود ماركوني الذي كان قد حاز شهرته العريضة تاريخياً بفضل التوصل إلى اللاسلكي.. وهكذا ثارت خلافات ومنافسات ومطالبات بين الطرفين يدعي كل منهما فضل اختراع الراديو. وكان أن رفعوا الأمر إلى القضاء الذي ظل عاكفاً على بحث هذه المسألة الشائكة بكل ما يكتنفها من دراسات علمية في مجالات الأشعة واستخدام الموجات اللاسلكية وما إليها.. ولم يتم الفصل الحاسم في القضية إلا بصدور حكم المحكمة العليا في الولايات المتحدة.. ليقضي بأن أبحاث ماركوني ـــ بكل هيلمانه ـــ لم تكن مبتكرة في هذا المجال، ومن ثم فإن ابتكار الراديو يظل من حق نيكولا تسلا..

كان هذا في عام 1943 وكان الراديو بالطبع قد صار ملء الأسماع وخاصة وسط هدير الحرب العالمية الثانية.. كان ماركوني نفسه قد رحل عن الدنيا في عام 1937 بل حرمت الأقدار منافسه تسلا من أن ينعم بهذا الانتصار إذ رحل بدوره عن الحياة قبل صدور الحكم النهائي بوقت وجيز.

ومن الإخباريين من يؤرخ لأول إذاعة نظامية أو رسمية أو احترافية للراديو بتلك الإذاعة التي تم بثها في أميركا في التاسعة من صباح 14 أكتوبر عام 1920 من كلية يونيون في نيويورك.. من ناحية أخرى لم تتأخر الأرجنتين في أميركا اللاتينية عن بث إذاعتها الراديو .

حيث أذاع راديو بوينس أيرس في الفترة نفسها نقلاً حياً من مسرح الكوليتريو لفصل من أوبرا بارسيفال للموسيقار الألماني فاجنر.. والطريف أنهم عندما أرادوا قياس تأثير هذا الجهاز العجيب على «جماهير» المستمعين.. اتضح أن عدد من يملكون أجهزة راديو في تلك الفترة لم يتجاوز عشرين أسرة في طول عاصمة الأرجنتين وفي عرضها.

مع ذلك فقد تسامع العالم بالراديو قبل هذه التواريخ.. وخاصة من حيث استخدام موجات اللاسلكي لتنقل إشارات مورس التلغرافية عبر البحار.. ولعل أقدم هذه الاستخدامات تمت على أيدي اليابانيين خلال معركتهم الظافرة على الأسطول الروسي عام 1905، وبعدها تناقل العالم إشارات استغاثة الباخرة المنكوبة تيتانيك في عام 1912..

واتسعت الاستخدامات خلال الحرب العالمية الأولى وإن ظلت مقتصرة على البرقيات والتعليمات والأوامر المتبادلة بين قيادات الجيوش المحاربة, لكن الأميركان أدركوا أهمية هذا الاختراع فكان أن عمدوا في سنة 1918.. إلى استخدام الراديو لإذاعة المبادئ الأربعة عشر التي نادى بها رئيسهم ودورو ويلسون في عام 1918 وعرفت باسم مبادئ الحرية والاستقلال وحق الشعوب في تقرير المصير ـــ وفي كل حال ظلت المشكلة تتمثل في قلة عدد أجهزة الاستقبال..

وتفاقمت المشكلة في وطن العرب عندما وصلت هذه الوسيلة الإذاعية إلى مصر في السنوات الأخيرة من عقد العشرينات فإذا بها تُستغل على يد عدد من المغامرين والهواة وأشباه الأميين والباحثين عن التربح في إطار ما عرف في تلك الفترة بأنه «الإذاعات الأهلية» التي كانت محدودة البث ساذجة المحتوى.. ولكن كان لها فضل الريادة في كل حال.

مع الحرب العالمية الثانية كان السجال محتدماً بين إذاعة لندن البريطانية الناطقة باسم الحلفاء، وراديو برلين الذي شهد أحدث فنون الدعاية ـــ البروباجاندا على يد وزيرها الشهير جوبلز (1897ــــ 1945) وبعدها ظل السجال متواصلاً خلال سنوات الحرب الباردة من الخمسينات إلى التسعينات بين دعايات راديو أوروبا الحرة لصالح المعسكر الغربي الرأسمالي وإذاعات راديو موسكو وسائر دول الستار الحديدي كما وصفوها لصالح المعسكر الشرقي الاشتراكي.

مع دخول العالم عصر التلفزيون بكل تطوراته وخاصة من خلال الإرسال الفضائي الساتلي (بالأقمار الاصطناعية) وبكل ما تحويه الصورة من عناصر بلاغة التعبير وجاذبية التشويق إلى حد الإبهار.. تصور الناس أن عصر الراديو يميل إلى المغيب. وبدأت أجيال المخضرمين تستخدم تعبير «أيام الراديو» وكأنها تستعيد بذلك شبابها وشباب الإذاعة المسموعة في الأيام الخوالي التي شهدتها الأربعينات إلى الستينات والسبعينات.

لكن هناك من خبراء الإعلام من يتصور عودة مؤثره للبث الإذاعي المسموع ولكن مع قدر ملحوظ ومطلوب من التطور الجذري إلى حد التثوير في بعض الأحيان.. ويشيرون في هذا السياق إلى نمو منظمات وقوى المجتمع المدني واشتداد ساعد المطالبة بالحوار الديمقراطي بين صفوف المجتمع المعاصر..

وأهمية تثقيف الناس بمبادئ حقوق الإنسان والحريات الأساسية.. وإمكانية استخدام الراديو في هذا المضمار.. خاصة وأن البث الإذاعي المسموع يمكن أن ينطوي على تكاليف محدودة أو معقولة إذا ما قورن بتكاليف البث عن طريق التلفزيون.

الحاسوب في خدمة الطب

لم يكتف الدكتور رايموند داما ديان بممارسة الطب متخصصاً منذ تخرجه في علاج الأورام.. أضاف الطبيب الأميركي المقيم في نيويورك إلى دراسته بحوثاً أجراها واهتمامات شغف بها في مجالات الكيمياء فضلاً عن مجال استخدامات الأشعة في النفاذ إلى دواخل الجسم البشري من أجل مزيد من الدقة في تشخيص ما ألمّ بالبشر من علل وأوصاب. كانت القاعدة التي اتبعها هي إخضاع المريض لمثل هذا الكشف الإشعاعي الدقيق لاستباق إصابة الخلايا قبل أن تقع هذه الإصابة بالفعل عملاً بمبدأ تفضيل الوقاية على ممارسة العلاج.

هكذا بدأت بحوثه في استخدام خاصية الرنين المغناطيسي التي بدأ مجال الطب يعرفها منذ أواخر الأربعينات.. فكان أن ابتكر الدكتور داماديان طريقة لاستخدام هذه التكنولوجيا من أجل الحصول على صور للخلايا المصابة بالسرطان تمهيداً لبدء العلاج في وقت مبكر. كانت الفكرة تقضي بإخضاع المريض لمجال مغناطيسي ساكن وأيضاً لمجال مغناطيسي متحرك.. وهكذا استطاع الطبيب النابغة أن يحصل على صورة دقيقة من داخل الجسم البشري..

كان ذلك في عام 1977 وكانت الصورة لزميله الطبيب لورنس منكوف. وقبل هذا التاريخ بخمس سنوات كان المخترع الإنجليزي جودفري هاونسفيلد قد سبق إلى تسجيل الابتكار الذي توصل إليه تحت اسم «التصوير الإلكتروني للجسم البشري» وهو ما عرف تحت عنوان «استخدام الحاسوب الإلكتروني» في رسم دواخل الجسم بقدر من التدقيق والتفصيل (كات سكان) يستوي في ذلك الأحشاء والشرايين والأنسجة الرقيقة والعظام..

والطريف أن الفكرة المحورية في هذا لمضمار واتت هاونسفيلد إذ كان يتمشى في إحدى المزارع.. وساعتها شرع يفكر في إمكانية الجمع بين خدمات أشعة إكس وبين إمكانات جهاز الحاسوب. بمعنى أن يتولى جهاز الأشعة تصوير زوايا الجسم فيما يتولى الحاسوب معالجة وتجهيز هذه المعلومات من أجل إنتاج صورة ثلاثية الأبعاد.

ورغم أن دنيا الطب والعلاج رحبت بهذا الابتكار إلا أن أجهزة «الكات سكان» الأولى كانت باهظة الثمن إذ بلغت تكلفة الوحدة الواحدة مليون جنيه استرليني في عقد السبعينات. ثم كان من الطبيعي أن ينتشر استخدامها وتتجلى فوائدها ويتسع نطاق الإقبال عليها فانخفضت الكلفة خاصة وقد تلقت أكبر دعاية ترويجية عندما فاز المخترع الإنجليزي هاونسفيلد بجائزة نوبل في الطب لعام 1979 وشاركه فيها زميل أميركي اسمه ألان كورماك كان عاكفاً بدوره على تطوير نفس الفكرة منذ عام 1957.

محمد الخولي