«رمضان ع البال»... إطلالة نعود بها من وقت إلى آخر مع أعمال تلفزيونية كانت تؤنس الناس في الأمسيات الرمضانية، وشكلت مساراً إبداعياً في الأعمال الدرامية والتي بفضلها تحتل دبي اليوم مكانة متقدمة في مسارها الراهن لتكون عاصمة للإنتاج الدرامي العربي عموماً والخليجي خصوصاً.

المتعة في العودة إلى مسلسلات أيام زمان لا تكمن فقط في ذكر الحدث وزمانه ومكانه بل هناك طرائف تسعد الممثل عندما يحكيها والقارئ عندما يقرؤها.. مسافات طويلة تفصل بين اليوم وأمس ولكن الذاكرة قادرة على استعادة بعض من ألق المرحلة الماضية وذكريات الأيام التي ما زالت مضيئة في الداخل.. البعض تقاعد والبعض اعتزل.. والبعض غادر مقعد الحياة، ولكن ثمة الكثير ما يمكن الحديث عنه.. ووقفة قصيرة مع أمثال ومع ذاكرة الفنانة الكبيرة رزيقة الطارش.

بدأت الدراما الإماراتية مطلع الثمانينات بالسير باتجاه تقديم قصص وحكايات تراثية وشعبية يحبها المتلقي ويتفاعل معها لا سيما وأن التلفزيون كان يعتمد على البث الأرضي فقط، ووقتها كان جهد واجتهاد تلفزيون أبوظبي، التلفزيون الرائد في تقديم الدراما المحلية بانتظام، يصب على تقديم حكايات طريفة ومؤثرة في صيغة مسلسلات لتقديمها للمشاهدين خلال شهر .

وفي هذا السياق نعتمد على ذاكرة الفنانة القديرة رزيقة الطارش وهي واحدة من رائدات الفن الإماراتي التي روت لنا في حديث طويل عن ذكرياتها مع شهر رمضان بأن المجموعة الإماراتية التي عرفت بتقديم المسلسلات اجتمعت في أبوظبي واتفقت على تقديم مسلسل يتناول قصص الأمثال الشعبية الإماراتية والخليجية عموما، وهكذا أعد سعيد النعيمي النص وبدأ المخرج أحمد منقوش بإعداد طاقم الإخراج كي يقدم رؤية جديدة لمسلسله الجديد، وكان حينها مخرجا واعدا ومتحمسا لتقديم الأعمال الدرامية قبل أن يعتزل الفن بعد ذلك..

ومسلسل «أمثال» الذي قدم مطلع الثمانينات من بطولة ريحانة التمري وسيف الغانم وجمعة الحلاوي وعبد الله المناعي ووضحة صالح..وغيرهم من الممثلين الذين اعتزل بعضهم فيما لا يزال بعضهم الآخر يعمل حتى هذا اليوم.

ملكة الاستوديو

من طرائف مسلسل «أمثال» أن شهر رمضان أقبل ودخلت أيام الصوم ولم يكن انتهى العمل على المسلسل، وساعات التصوير كانت متواصلة لا يوقفها إلا الذهاب للإفطار أو السحور وكان هذا عملا شاقا على الجميع، وعادة التصوير أثناء رمضان لإنهاء الحلقات الثلاثين من العمل الدرامي يبدو أنه لم يكن وليد هذه الأيام بل ربما ارتبط بالأيام الماضية.

ومع بداية أيام الصوم الكريم في تلك الأيام وجد الفريق أن العمل قد يتأخر إذا استمر التصوير والمونتاج وفق هذه الآلية فقرروا تناول الإفطار والسحور أحيانا داخل الاستوديو أثناء التصوير، وهنا كان لابد من صيغة يتفق الجميع عليها، وقد عرف عن السيدة رزيقة قدرتها على خلق السعادة في المكان الذي تصور فيه، فقد وعدت الطاقم بوجبات متميزة على الإفطار والسحور.

كما تروي في ذكرياتها عن هذا العمل، ومع الأيام الأولى صار الجميع ينتظر أكلاتها الشعبية اليومية والحلوى التي كانت تتفنن في إعدادها لهم إلى أن أطلقوا عليها لقب «ملكة الاستوديو»، الأمر الذي جعلها تضحك كثيرا على تلك الذكريات التي روتها لنا مستعيدة حكايات عمرها أكثر من ربع قرن تقريبا.. وتصمت قليلا لتقول: «لم يكن هناك تقنيات كاميرا ومونتاج وإضاءة كما هو الحال الآن وكما حسنت كثيرا وسرعت من طريقة تنفيذ العمل الدرامي، ولكن كان هناك حب .

وكان هناك إيمان بما نقدم، وكان الناس يتابعون كل تفاصيل العمل الفني المر الذي خلق حافزا قويا لدينا كي نقدم الأفضل دائما، أيام تمر ويمر غيرها ولكن يبقى لها مذاقا وطعما مختلفين في الذاكرة.. قد لا يعرف الجيل الحالي معنى ذلك ولكنهم لا يمكن أن يستمتعوا كما كنا نستمتع في تلك الأيام».

مكسورة وتبرد

ومن الأمثال التي قدمت عبر تلك الحلقات مثل «مكسورة وتبرد» وهو مثل يقال لمن يرتكب خطأ ولا يعترف به بل يظل يدافع عن خطئه رغم وضوحه وضوح الشمس من قبل الجميع، وهو يستخدم كثيرا في اللهجة المحلية والخليجية وهو يضرب عن الجرة التي تفقد خصائص التبريد الطبيعي حينما تكسر فما عاد ينفع حفظ الماء في داخلها.. وهو من بين ثلاثين مثلا تم تقديمها في حلقات رمضان الدرامية آنذاك.

أخيرا... انتهى التصوير

انتهى التصوير وأنقذ العمل من مطب التوقف وتم عرضه يوما بيوم في الوقت الذي كان التصوير فيه شغالا على قدم وساق، وعرض العمل ولاقى نجاحا طيبا أعاد للأذهان حكاية الأمثال الشعبية التي تعتبر خلاصة تجربة حياة هذه المنطقة.

جمال آدم