في الشّخصيات الأندلسية المشهورة، أَبو حَيّان «محمد بن يوسف» الغرناطي الأندلسي «كان من عُلماء النّحو واللغة والتفسير والأدب الكبار».ظهر في الأندلس، واشتهر، ثم اضطرّته ظُروفه إلى الارتحال عن بلاده، فنزل مصر وأقام فيها، وهناك كانت وفاته.
* أبو حَيّان وابنته نضاروأبو حيان الغرناطي الأندلسي شاعر أيضاً: اجتمع من شعره الباقي مجموع طبع باسم ديوان أبي حَيّان: تعددت فيه الأغراض الشعرية، ومنها غرض الرّثاء، وأهم ما في هذا الباب: أشعاره في رثاء ابنة له اسمها «نُضَار»، وكان الشاعر قد عُمّر طويلاً، فمات أولاده في حياته، وماتت زوجته فرثاهم، ولكنه أطال الكلام في ابنته نُضَار. وذكر الشاعر أنه فقد خمسة أبناء «اثنان من الذكور، وبِنتان» ومن ذلك قوله، من مطلع قصيدة:
ما لقلبي مقسّم الأفكار
وكأَنْ قد حُشي بجمرة نار؟
قد دهتني من الزمان خطوبٌ
ضاق عن حملها جميلُ اصطباري!
دمع عيني لفقد حَيّان وحَيّا...
نَ وحَيّان والنُّضارينِ جارِ
خَمْسةٌ تشرق المنازل منهم
أُدِرْجُوا تحت ظُلمة الأَحْجارِ
أمّا «نُضار» فقد ماتت شابّةً بعد أَنْ تعلّمت وأجادت وروت الأحاديث والأخبار، وألفت، ونظمت الأشعار، فكانت حقاً ابنة ذلك العالم المشهور الذي ملأ صيته الآفاق، وكان أبوها يعزّها ويفضلها على أَخيها حَيّان، وكان يقول: «ليت حيان مثلها!».
ماتت نضار سنة 730 فحزن عليها والدها حزناً عظيماً، وجمع في ذلك جُزءاً «كتاباً صغيراً» سَمّاه: النُّضار في مَسْلاة نُضَار« ومعنى النَّضار في اللغة: الذهب الخالص. ولما توفيت نضار طلع أبوها إلى السلطان الملك الناصر محمد وسأله أن يدفنها في بيته داخل القاهرة، فأذن له في ذلك، وظهر على الشاعر وجَدْهُ لوفاتها، وحزنه العظيم عليها.
وفي ديوان أبي حَيّان اثنتا عشرة قصيدة في رثاء ابنته: جَعل ذلك الشعر معرضاً للكلام على:
ــ حُزنه الشديد لوفاتها
ــ ومكانتها التي وصلت إليها في العلم والمعرفة
ــ وجميل خصالها التي عُرفت بها.
وقد ذكر الشاعر دفن ابنته في بيته:
ضَريح بنتي جعلت بيتي
وقلت: ليتي أَمُوتُ ليتي!
يا عينُ ابكي دماَ عليها
فليس يجري دمع بكيتِ
يا ليلة الَبيْن من نضار
صدّعت قلبي بما جَنَيْتِ
وفي شعره كلامُ على حُزنه، وبقائه وحده بعد ذهابِ الأَحباب بالوفاة.
أمضّني الحزنُ يا نضارُ
وصرت مُضْنىً لِماَ مضيتِ
أصبحت فرداً فليتَ أَنّي
قضيتُ نَحْباً لما قضيْتُ
وكلام آخر على مكانتها من العلم:
سعيت للعلم باجتهاد
ولم تُمَتعّي بما وَعَيْتِ!
وفي آخر هذه القصيدة:
وإن بيتاَ أَضحى مَحلاً
لخير بِنْت لَخَيْرُ بَيْت
لقد جعل قبرها في داره ليبقى معها، ولتكون قريبة إليه، فيناجيها ويحدثها، ولو من تحت التراب!
ولم يعد الشاعر يجد طعماً للأيام، وحتى الأعياد لا تصرفه عن تذكارها وترداد مآثرها وذكرياتها:
إنّ جسمي مقيدّ بالضّريح
وفؤادي وقف على التّبريح
راح عيدُ وبعد عيد كبيرُ
و(نضار) تحت الثرى والصّفيح
ونضار كانت أنيسي وحُبّي
ونضارُ كانت حياتي وروحيَ!
وغلب تذكار ابنته على كل ما سواه من أحوال الدنيا من حوله، فكأنه لا يسمع ما يقال ولا يرى ما يظهر:
عَزَفتْ نفسي عن هذا الورى
بعدما حَلّت نِضَارُ في الثّرى
فبسمعي صَمَمُ إن حَدّثوا
وبعيني نَبْوَة أن تنظرا
لقد كان أبو حيان غريباً. وقد مات عنه أولاده وزوجته، وبقي وحيداً فازدادت أحزانه، لكن بكاءه على (نضار) ابنته الأثيرة لديه كان الأكبر والأشد.
أ.د محمد رضوان الداية
