هي ظاهرة عرفتها اللهجات العربية القديمة، وامتدت إلى اللهجات المعاصرة ومنها لهجات دولة الإمارات، وهي فيها ذات شقين، الأول هما قلب الكلمات وقلب الحروف، أما قلب الكلمات فيوجد له مثال مهم في قلب موقع حرف النفي والنهي في الجميلة، وهو حين يأتي بعد الكلمة بدلا من موقعه قبلها كما في اللغة الفصحى واللهجات القديمة والحديثة، وهو يوجد في لهجات الشحوح والحبوس والظهوريين، وتستعمل في ذلك الأداة «لا» بدلا من: لم ولن وما ولما، في حالات النفي والنهي والنصب والجزم.

يقولون مثلا: تاكلْ لا، أي: لا تأكل. ويقولون: قام لا، أي: لم يقمْ. وهذه ظاهرة من الغرابة بمكان أني لم أجدها في اللهجات العربية المعاصرة، ولعلها توجد في بقايا من اللهجات العربية المنزوية في قرى بعيدة لم تصل ظواهرها اللغوية إلى أسماع الباحثين بعد، وهذه الظاهرة اللغوية لا تخلو أن تكون ذات أصل فصيح لم يصل إلينا، ولعل البحث اللغوي قد يشير إلى أنها ربما كانت ظاهرة من ظواهر اللهجات العربية القديمة.

ولعلهم قد أشاروا إليها في كتب التراث، لكن لم يقع تحت يدي بعد ما يشير إليها، وهي كما ذكرنا لا يمكن أن تأتي دون أصل قديم، ولعل لها أصلا قديما في لهجات أزد عمان على سبيل المثال، لكن الرواة لم يسجلوا الكثير من لهجات أزد عمان باعتبار هذه المنطقة بعيدة عن مراكز الرواية في البصرة والكوفة، كذلك لم يكونوا ينظرون إلى لهجات هذه المناطق بكثير من الاطمئنان في الاحتجاج بمفرداتها الفصيحة كما ينظرون إلى لهجات نجد والحجاز.

أما قلب الحروف فهو يتراوح بين الساحل الشرقي والغربي للإمارات، ففي الساحل الشرقي مثلا توجد ألفاظ هي بعينها في الساحل الغربي، لكنها مقلوبة قلبا مكانيا، ونجد أيضا لفظة مستعملة في لهجة الإمارات بصيغة واحدة لكنها تكون مقلوبة في العربية الفصحى مما يدل على أن الصيغة الموجودة في لهجة الإمارات هي صيغة فصيحة بدورها لكنها ربما غير مثبتة في المعاجم، من ذلك قولنا: يمكن، وهي كذلك في كل الإمارات عدا المنطقة الغربية، وتنطق فيها: يَكْمِن، وتُبدل الكاف فيها جيما قاهرية. وجرعة الماء في لهجات الساحل الغربي «يِغْمَة» وهي في لهجات الساحل الشرقي«يِمْغَة»، وفعل التصفيق في لهجات الساحل الغربي «صَفّق» وفي الساحل الشرقي «سَقّف»، وفعل المشاغبة في الساحل الغربي«شاغَب».

وفي الساحل الشرقي«غاشب»، ويقال لماء السيل المتدفق في الساحل الغربي «داعوب» مشتقة من الفعل«دعب» أما في الساحل الشرقي فيستعمل الفعل مقلوبا «دَبع»، ومن ذلك «كَرهب» عند كبار السن، أي: «كَهرب» بمعنى كهرباء، ويقال للحبة الواحدة من التمر«فِرْدَة» وفي الفصحى «فِدْرة» وكذلك يقال للنخلة الصغيرة النابتة في جدع النخلة الكبيرة «كاروب» أي أنها كالكَربة، وفي الفصحى «راكوب».

ومن صيغ القلب النادرة ما نجده في لهجات الشحوح ومعهم بعض من الظهوريين والحبوس ــ مما يشي بأصل واحد لهذه اللهجات الثلاث-أن التاء في صيغة الفعل «يستفعل» تأتي قبل السين، فتصبح «يتسَفعل»، فيقال: يتْسخدم بدلا من يستخدم، و: يتْسَحقف، بدلا من يستحقف، أي يشعر بالغبن وخيبة الأمل بسبب الإحراج، وقس على ذلك بقية الأفعال التي على هذه الصيغة.

am_obaid@hotmail.com