أرح ركابك من أين ومن عثر- كفاك جيلان محمولا على خطر - كفاك موحش درب رحت تقطعه- كأن مغبره ليل بلا سحر- ويا أخا الطير في ورد وفي صدر-في كل يوم له عش على شجر-عريان يحمل منقارا وأجنحة-أخف ما لم من زاد أخو سفر-هكذا أنشد الشاعر العراقي والأديب بلا حدود محمد مهدي الجواهري مخاطبا نفسه، مشيرا إلى فروسيته، وإلى زهده، وإلى طول ترحاله وغربته، في مختلف الآفاق بلا حدود.كان نشيده ذاك في يناير 1969، في حفل حاشد في بغداد، لتكريمه اثر عودته إلى العراق بعد اغتراب طويل امتد أكثر من سبع سنوات في براج بتشيكوسلوفاكيا.قبل هذا الاغتراب، كان الجواهري كثير الترحال بلا حدود. وبعد هذا الاغتراب عاد إلى الترحال إلى نهاية العمر، وهكذا كان بحق مثالا للشاعر والأديب بلا حدود.
في مطلع القرن العشرين كان مولده في مدينة النجف أبرز مناهل العلوم الدينية واللغوية والأدب والشعر في العراق، كما كانت أسرته العريقة ذات مكانة مرموقة في العلم والأدب والشعر، لا مجلس عامر برواده من أعلام الحياة الدينية والأدبية في النجف والعراق.وفي طفولته وصباه لم يلتزم بالدراسة المنتظمة والتدرج العلمي المعروف آنذاك في النجف، وإنما تلقى معارفه في النحو والصرف والبلاغة والفقه على أيدي عدد من الشيوخ، ثم لزم أباه في مجالس الأدب والشعر، وكان لا يسمح له باللعب إلا بعد حفظ نصوص معينة من روائع كتب الأدب والشعر، كنهج البلاغة، وأمالي القالي، وديوان المتنبي، فأغنى ذلك ثقافته، وشحذ حافظته، وغذا مواهبه وقريحته.وفي مطلع الشباب بدأت براعم موهبته تبزغ وتتفتح، فنظم بعض الأشعار، فاشتهر، وكانت أول مجموعة شعرية له هي «حلبة الأدب» التي عارض فيها بعض الشعراء القدامى والمحدثين.
كانت بداية ترحاله سفره إلى إيران مرتين في عامي 1924، 1926، وفيهما فتن بجمال الطبيعة في إيران، وعبر عن إعجابه البالغ بها في قصائد عديدة، كان بعضها سببا في أزمة عند تعيينه مدرسا، حيث قالوا إنه أشار إلى انتمائه إلى إيران دون العراق في قصيدته «بريد الغربة»، فعينه البلاط الملكي بدائرة التشريفات حلا للأزمة. في تلك الفترة كان العراق أتونا مشتعلا ضد الاحتلال البريطاني، فيه نضجت شاعرية الجواهري، ولمع اسمه على صفحات الصحف، ومجموعته «خواطر الشعر في الحب والوطن» ثم «ديوان بين الشعور والعاطفة» سنة 1928.
في عام 1930 استقال من البلاط، ليصدر جريدته «الفرات»، التي أوقفتها الحكومة بعد صدور عشرين عددا منها فقط. وتفجر التناقض بين أفكاره والنظام الحاكم، وتجلى ذلك في إشعاره الوطنية، والصحف التي كان يصدرها باسمه أو بأسماء أخرى.
ولم يقتصر شعر الجواهري على مناهضة الطغيان والاحتلال في العراق، وإنما اتسع بلا حدود لمواكبة النضال العربي في أقطار العروبة كلها. ففي الثورة السورية على الاستعمار الفرنسي، التي أججت النار في قلوب العرب في كل مكان، وقال فيها أحمد شوقي رائعته «سلام من صبا بردى أرق»، قال الجواهري:
مثل الذي بك يا دمشق
من الأسى والحزن ما بي
دمعي يبين لك الجوى
والدمع عنوان الكتاب
زاهي الحمى نهب الخطوب
ومهجتي نهب المصاب
ثوري دمشق، فإنما
نيل الأماني بالطلاب
في عام 1941 تتفجر أحداث ثورة رشيد عالي الكيلاني، ويؤيدها الجواهري، ولكنها تفشل فيغادر مع العناصر الوطنية والقومية التي غادرت العراق، وكان ذلك الترحال الثاني إلى إيران، عاد بعده، واستأنف سيرته وكتاباته.
وفي عام 1944 سافر إلى دمشق مشاركا في مهرجان أبي العلاء المعري، وفي عام 1947 دخل المجلس النيابي نائبا عن كربلاء، لكنه ما لبث ان استقال مع نواب المعارضة احتجاجا على محاولة فرض معاهدة بورتسموث على العراق، وكانت أحداث وثبة يناير 1948 التي استشهد فيها شقيقه «جعفر». وتفيض لوعة الجواهري بقصيدتين من روائعه: «أخي جعفر»، و«سوم الشهيد»:
يوم الشهيد، تحية وسلام
بك والنضال تؤرخ الأعوام
بك يبعث الجيل المحتم بعثه
وبك القيامة للطغاة تقام
وبك العتاة سيحشرون وجوههم
سود وحشو أنوافهم ارغام
وفي سبتمبر من العام نفسه سافر الجواهري إلى باريس ومنها إلى بولونيا لحضور أول مؤتمر للسلام العالمي، وكان العربي الوحيد فيه، بعده عاد إلى باريس وأقام فيها عدة أشهر ثم رجع إلى العراق.
وفي عام 1950، شد الجواهري رحاله إلى القاهرة للمشاركة في المؤتمر الثقافي للجامعة العربية بالإسكندرية، حيث حظى برعاية الدكتور طه حسين وضيافة الحكومة المصرية، وفي تلك الزيارة كانت مكرمة طه حسين بمنحة لأولاد الجواهري: أميرة وفرات وفلاح للدراسة في مصر، وسافر الجواهري وأرسل أولاده حيث قضوا في دراستهم بمصر ثلاث سنوات، خلالها عاد الجواهري إلى الكنانة وعاش بها ستة أشهر ناعمة في «ذهبية» على سطح نهر النيل، وفي صحبة صفوة رجال الأدب، لكن ثوريته وملاحقة السلطات العراقية والمصرية اضطرته إلى الرحيل.كان من حصاد إقامته في مصر، حداؤه لحركة المقاومة الشعبية في منطقة القناة سنة 1951، ومن ذلك قوله:
خل الدم الغالي يسيل
إن المسيل هو القتيل
هذا الدم المطلول يختصر
الطريق به الطويل
قل للشباب بمصر، والدنيا
لمن يصغي تقول:
هذا أوان الجولة الكبرى
تبارك من يجول
هل غير ان يغني
لتسعد بعده الأجيال جيل؟
سل هيكل التاريخ تنبئك
الشهود به العدول
سل هيكل التاريخ كم
غال المواكب فيه غول؟
وهل انتهت إلا بما
تنهى الشعوب به الفصول؟
في عام 1951، سافر إلى بيروت للمشاركة في تأبين الزعيم الوطني عبدالحميد كرامى، وكانت قصيدته لهبا، أمر بسببه بمغادرة لبنان، وظل ممنوعا عليه ان يدخله نحو عشر سنوات.
وفي عام 1953 سافر إلى فيينا لحضور مؤتمر السلام العالمي، وعاد إلى دوره الثائر في العراق، والى الملاحقة والاضطهاد، وفي عام 1956 ارتحل الى دمشق للمشاركة في تأبين الضابط الوطني عدنان المالكي، فقال رائعته الثائرة المنددة بطغاة العراق، وحلف بغداد:
خلفت غاشية الخنوع ورائي
وأتيت أقبس جمرة الشهداء
ودرجت في درب على عنت السرى
ألق بنور خطاهم وضاء
خلفتها وأتيت يعتصر الأسى
قلبي وينتصب الكفاح إزائي
وأقام الجواهري في دمشق نحو عام ونصف العام، وبعد عودته بشهور تفجرت ثورة الرابع عشر من يوليو 1958، فانتخب رئيسا لاتحاد الأدباء العراقيين، ونقيبا للصحافيين، وشارك في المؤتمر الرابع للأدباء العرب في الكويت، لكنه سرعان ما واجه مضايقات السلطة في بغداد وتوقيفها وتهديدها له، فانتهز فرصة دعوته إلى مهرجان تكريم الشاعر الأخطل الصغير في بيروت 1961، وارتحل إلى «براغ» ضيفا على اتحاد الأدباء في تشيكوسلوفاكيا، حيث طاب له المقام سبع سنوات، تنقل خلالها في زيارات هنا وهناك، وتابع فيها بتفاعل حار كل أحداث وطنه والأحداث العربية.
في عام 1968 آب الطائر المهاجر بلا حدود إلى عشه، ولكنه لم يقطع صلته بعش غربته الحاني في براغ، فظل يأوى إليه بين حين وآخر، وكتب فيه نخبة من روائع شعره، ومن ذلك مرثاته الشهيرة لعبدالناصر التي ألقاها في ذكراه الأولى بالقاهرة 1971:
أكبرت يومك أن يكون رثاء
الخالدون عهدتهم أحياء
إن تقض في سوح الجهاد فبعدما
سعرت فيها الرمل والرمضاء
ولقد حملت من الأمانة ثقلها
لم تلق برما ولا إعياء
نم آمنا، ستمد روحك حرة
وسط الكفاح رفاقك الأمناء
عبدالوهاب قتاية

