أكد د.حامد طاهر العميد الأسبق لكلية دار العلوم بجامعة القاهرة أن الدراسة الأزهرية بحاجة إلى تطوير يحتفظ بالأساسيات ويلقي الضوء عليها من خلال العلوم المعاصرة.
وقال: إن الفكر الإسلامي الحديث يحتاج إلى عناية خاصة، ذلك الفكر الذي يبدأ من بداية احتكاكهم بالثقافة الغربية المعاصرة منذ بداية القرن التاسع عشر وأكد على أن التركيز على ما أنتجه الفكر الإسلامي في تلك الفترة، مهم، لأنه سيؤدي بنا إلى طريق المستقبل.وأضاف أننا كأمة لها تاريخ طويل يجب أن نهتم بتحقيق تراثنا العلمي والأدبي، وأن تقدير هذا التراث الثري سوف يقدمنا للعالم بشكل جيد، بالإضافة إلى الاهتمام بالترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية وأننا بذلك سوف نزداد من خلال ذلك ثراءً فكرياً وعلمياً وخبرة ومعرفة.وأكد على أنه يرفض الانضمام للأحزاب السياسية حتى لا يتم التأثير على أفكاره وتوجهاته، بالإضافة إلى الأخطاء الفكرية التي يقع فيها المسؤولين عن الأحزاب، وهو لا يريد تحمل نتائج هذه الأخطاء حسب قوله.وفي هذا الحوار نناقش مع المفكر الإسلامي الكبير هموم العالم الإسلامي المتعددة وكيفية الخروج منها.
* ما رأيك في الدراسة داخل الأزهر، وهل لك تحفظات على ذلك؟ـ مع الأسف كنت ومازلت معترضا على منهج الدراسة في الأزهر، حيث إن المنهج فيه أشياء جيدة لكن هناك أشياء قديمة جداً يتم دراستها وأنا أحب دراسة ما هو موجود فعلاً من مشكلات في العالم الإسلامي.فنحن أحيانا نتحدث عن مشكلات لا وجود لها، ودراسة النحو أيضاً دراسة قديمة، صحيح أننا أتقناً القواعد، ولكن بعض هذه القواعد لا يتمشي مع اللغة العربية المعاصرة التي تولد فيها تعبيرات وتموت أخري بالإضافة الى دخول كلمات من اللغات الأجنبية واللهجات العامية، وطريقة التدريس نفسها في الأزهر تدعو الى الملل، فالطالب الأزهري يذهب في الثامنة صباحاً، ويمكث في المعهد حتى الثالثة بعد الظهر، ولا توجد أية رحلات والنشاط الثقافي يكاد يكون معدوماً.فأنا مثلاً كنت من هواة الشعر وحاولنا إقامة ندوات شعرية وفشلنا، لذلك كنا دائماً نتطلع الى أن نخرج من الأزهر كي نمارس هوايتنا الأدبية وحياتنا الثقافية الواسعة.وكنا نري أن الأزهر يحتاج الى تطوير، والتطوير جاءه بعد أن خرجنا منه، لكنه لم يكن تطويراً كما نتمناه، لأن التطوير لابد أن يحتفظ بالأساسيات ويلقي الضوء عليها من خلال العلوم المعاصرة، لكن الذي حدث أنه في بعض الجوانب تم الإكثار من التحديث الى حد إلغاء الأساسيات وأقولها صراحة أن الأزهر يحتاج الى تطوير مرة أخرى.
بداية الشعر
* ألا ترى أن ثمة فجوة بين تركيبتك الشعرية، ورؤيتك الفلسفية؟
ـــ الغريب أن البعض يعتقد أن دار العلوم كلية إسلامية وبهذا الصدد أريد أن أوضح أن هذه الكلية تعطي الليسانس في آداب اللغة العربية، أربع مواد لغوية وثلاث مواد إسلامية، هي إذن ليست كلية إسلامية كما يطلق عليها البعض، هذا المسمى يمكن أن نطلقه على إحدى كليات جامعة الأزهر، لكن دار العلوم كلية لغة عربية ودراسات إسلامية.
ويغلب عليها طابع اللغة..أما بالنسبة للفجوة التي تتحدث عنها، ففي البداية أريد أن أوضح أن الدراسة لم تشغلني لحظة واحدة عن الشعر، وإن كانت الفلسفة دخلت كشريك في وجداني مع عشقي للشعر إلا أن التوازن كان قائماً، حتى وأنا أحضر الماجستير والدكتوراه، كنت ومازلت حريصا على ممارسة الشعر، حتى عندما أتيحت لي الفرصة للسفر في بعثة حكومية في فرنسا لعمل رسالة الدكتوراه من جامعة السوربون في الفلسفة، وهناك اطلعت على عيون الشعر والأدب الفرنسي والعالمي، ثم عدت للتدريس في كلية دار العلوم وارتقيت الدرجات الجامعية حتى عينت وكيلاً ثم عميداً للكلية، والمشكلة الحقيقية تكمن في أن الشعر يريدك كلك، ولا يرضى بالتجزئة.
تابعية المفكرين
* ما هي أبرز القضايا التي تشغلك ولها الأولوية في فكرك عما سواها وتدافع عنها؟
ـــ لقد درست الفلسفة الإسلامية بكل فروعها «الأخلاق، المنطق، مناهج البحث، علم الكلام، التصوف»، وفي النهاية انتهيت إلى أن الفكر الإسلامي الحديث يحتاج إلى عناية خاصة، وأقصد بالفكر الإسلامي الحديث ذلك الفكر الذي أنتجه المسلمون ابتداء من احتكاكهم بالثقافة الغربية المعاصرة منذ بداية القرن التاسع عشر، أي منذ حوالي مئتي سنة مضت، وهي فترة مهمة جداً، وليست منفصلة عما قبلها، لكن التركيز عليها مهم لأنه سيؤدي بنا إلى طريق المستقبل..
وأنا حينما أدرس هذه الفترة فإن عيني على تاريخنا القديم، وعلى المصادر الأساسية للإسلام وهي القرآن الكريم والسنة، فينبغي أن يكون هناك تفسير للقرآن في كل عصر، وأن تعرض سيرة الرسول وأحاديثه في كل عصر بصورة معينة، ولا تظل دائما بنفس الصورة، ويعجبني الذين فسروا القرآن تفسيراً اجتماعياً ونفسياً مثل: الفاضل بن عاشور في تونس، وسيد قطب، ومحمد عبده، ورشيد رضا، فأنا إذاً مهتم بالفكر الإسلامي الحديث الذي يمهد للمستقبل.
وهنا أقول: إن الدراسات العربية والإسلامية متوقفة تقريباً منذ نصف قرن، والسبب أن المتغيرات العالمية فاجأت المؤلفين العرب، وأن الأحداث السياسية أكبر منهم وأسرع، فهم لا يستطيعون الملاحقة، فالمؤلف الآن لم يعد يقود، وإنما أصبح تابعاً، فالمفكرون الذين ظهروا في النصف الأول من هذا القرن «العقاد، الرافعي، المنفلوطي، الزيات، أحمد أمين» كانوا يكتبون لكي يعلموا شعبهم، وهم يشيرون له إلى الطريق الصحيح، أما الذين جاءوا في النصف الثاني من هذا القرن فقد أصبحوا أقل من كافة هذا الشعب، فمثلا عندما جاءت الاشتراكية إلى مصر في الستينات بقرار سياسي لدولة عربية واحدة، وليس لكل الدول العربية، سار المفكرون في الركب، وبدأوا يكتبون في الاشتراكية.
والذي قاد الركب لم يكن مفكراً وإنما كان سياسياً، والمفكرون ساروا وراءه، والشعب أدرك أن الحل الاشتراكي ليس هو الحل النموذجي، وبدأ يعاني منه، وأدرك فشل هذا الحل قبل أن يدركه المثقفون، فلم يشارك في المسيرة، فالناس دائما ينكمشون عندما يجدون ما ليس في صالحهم، بينما ظل عدد من الأبواق المثقفة تتحدث عن الحل الاشتراكي حتى بعد سقوط وانهيار الدولة الاشتراكية.
الترجمة والتحقيق
* تركز في اهتماماتك على الترجمة وتحقيق التراث، لماذا هذا الاهتمام؟
ـــ التحقيق هو: تحقيق الكتب القديمة التي تركها لنا آباؤنا وهي ثروتنا ولابد أن نطبعها كي نقرأها، ولكن للأسف فإنه حتى الآن لم يطبع إلا عشر هذه الثروة، وتسعة أعشار التراث العربي الإسلامي لم يطبع حتى الآن، ومن هنا كانت أهمية تحقيق التراث، فنحن إلى الآن لا نعرف ماضينا جيداً.
ومن هنا أدعو إلى أن يكون تحقيق التراث تخصصا منفرداً في الجامعات العربية والإسلامية ويكون هناك شهادة علمية في تحقيق التراث، فنحن في حاجة إلى جيش من الشباب الباحث الذي يمكن أن ينهض بهذه المسؤولية المهمة، وأيضا نحن لابد أن نكون على وعي بما يحدث في العالم، وهذا لن يتأتي إلا عن طريق الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية التي سوف تزداد بدورها ثراء وخبرة ومعرفة، ونحن في حاجة إلى هذين الأمرين لهدف آخر هو التأليف.
والتأليف عندنا أمر مؤسف، فحسب إحصائية قام بها اليونسكو فإن إسهام العالم العربي كله من كتب ومؤلفات لا يتجاوز 1% مما ينتجه العالم، مع العلم بأن 75% من هذا الرقم الهزيل كتب جامعية ومدرسية، والمفترض أن كتب الاستذكار هذه لا تحتسب ضمن المؤلفات، وبالتالي فنحن ضعاف جداً في مجال التأليف..
فالتأليف لا يأتي من فراغ وإنما لابد أن يكون لدينا تراث من الماضي، ومعلومات واسعة من الحاضر، ورصيد يأتي عن طريق تحقيق الكتب القديمة والتراث العربي، ومعلومات الحاضر تأتي عن طريق النقل من اللغات الأخر إلى اللغة العربية.
التراث والمستقبل
* ولكن البعض يردد أن تراثنا عقبة في سبيل تقدمنا، كيف نرد عليهم؟
ـــ أي تركة يتركها الميت فيها السمين وفيها البسيط والهزيل، وليس كل ما في التركة يستحق التوزيع، إن تراثنا عبارة عن أناس سبقونا بألف سنة وكتبوا، بعضهم أصاب وبعضهم أخطأ، ولابد أن نقوم بإعادة طبع هذه الكتب ثم بحثها وتحليلها، وسوف نجد فيها كثيراً من الآراء التي يمكن أن تنفعنا، لأن أسلافنا بذلوا فيها جهداً كبيراً في فهم العالم والقرآن والسنة والتاريخ، ونحن يمكن أن نستفيد من ذلك كله في صياغة تاريخنا.
وفي صياغة عصرنا الحاضر، لأنه لا مستقبل لمن لا ماض له.أما الذين يهاجمون التراث بدون علم فإن فاقد الشيء لا يعطيه، وأدعو هؤلاء إلى أن يقرأوا كاتباً مثل الجاحظ، وسوف يرون عنده كلاما في الأدب، وكلاما في العلوم، حيث يصف الحيوانات واحداً واحداً، بعد عملية ملاحظة دقيقة وفاحصة للحيوانات والحشرات، مع العلم بأن هذا هو ما يقوم به عالم الحيوان المعاصر.
إنني قرأت كتاب «القانون في الطب» لابن سينا، وهو كتاب رائع وخطير، ففي البداية يتحدث عن أعضاء جسم الإنسان، ثم يتحدث عن الأمراض التي تصيب كل عضو، ثم يتحدث عن الأدوية التي تعالج المرض الذي يصيب العضو، ولهذا ظلت أوروبا تدرس هذا الكتاب في جامعاتها حتى منتصف القرن السابع عشر، ولم يستغنوا عنه إلا بعدما اكتشفوا الأشعة والتحاليل وغيرها.
وبالتالي ففي تراثنا أشياء مهمة علينا أن نعيد صياغتها مرة أخرى، وعلينا أن نريها لأبنائنا وللعالم كله، فالعالم كي يدخلنا في نظامه لابد أن يقتنع بنا، وكي يقتنع بنا لابد أن نقدم له ما عندنا حتى يشعر أنه سوف يستفيد منا، والذين ينكرون تراثهم ينكرون أنفسهم ويريدون أن يظلوا دائماً تابعين.هذا بالنسبة للجانب العلمي في تراثنا، وبالإضافة إلى ذلك فعندنا الجانب الأخلاقي، وهو الأمر المفقود في العالم الإسلامي اليوم.
البيئة العلمية
* ذكرتم أن الدراسات الإسلامية والعربية في نوم منذ نصف قرن، فهل تعتقد أن هناك تقصيراً من العلماء المعاصرين في تطوير هذه العلوم؟
ـــ لم يحدث نمو وتطور في العلوم الأساسية للدراسات العربية والإسلامية، فمثلاً نحن الآن عاجزون عن فهم مسرحيات أحمد شوقي مثلاً حسب منهج البلاغة العربية القديم لأنه توقف ولم ينُم ولم يتطور.
وبالتالي فقد أغلق علم البلاغة، كما أغلق علم أصول الفقه، وأغلق أيضا علم النحو، إن القدماء كانوا يضعون قواعد فقط، والقواعد من شأنها أن تغلق العلم، فمثلاً في منطق «أرسطو»، ثلاثة أمور أساسية وهي التصور والموضوع والقياس، وطالما صيغ الموضوع على هذا فقد أغلق العلم، والعلم يموت عندما يكتمل، وطالما يشعر العلم أنه يواجه مشكلات فإنه يظل قائماً، إن لدينا علماء يستطيعون أن يبدعوا، ولكن البيئة العلمية غير موجودة في العالم العربي، إننا لا يمكن أن نقيم بحثاً علمياً فعالاً بدون بيئة علمية، أي إدارة جيدة للمشروعات البحثية وتمويل لهذه المشروعات مع وضوح الهدف.
* كيف ترى هموم ومشاكل العالم الإسلامي من واقع تخصصك ودراستك؟
ـــ هموم العالم الإسلامي كثيرة وكبيرة وأتمنى أن يضع المسلمون بأنفسهم أيديهم على هذه المشكلات، ونحن المفكرين دورنا فقط أن نساعدهم على بلورة المشكلة..فتحديد المشكلة جزء من حلها، وأمام العالم الإسلامي مشكلات حقيقية، وهذه المشكلات الحقيقية منها مشكلات مادية كثيرة جداً.
ومنها مشكلة تتعلق بالدين، أما عن المشكلة التي تتعلق بالدين فهي ضرورة العودة إلى الطريق الصحيح والمتكامل للإسلام، لأنه مع المفهوم الصحيح للإسلام هناك مفاهيم كثيرة خاطئة مطروحة عن الإسلام سواء من الذين تخلوا عنه تماما ويتهمونه بأنه دين تخلف، أو من الذين يتبعونه ويجعلونه ديناً محلياً يعبر عنهم هم ولا يعبر عن حقيقته الذاتية، وأركز على التصور المتكامل للإسلام لأن هناك طوائف تأخذ من الإسلام جزئيات فقط، فالبعض يركز على الجانب الروحي، والبعض الآخر يركز على الجانب السلوكي..إلخ.
وهكذا فإن هناك نوعاً من الفهم الناقص للإسلام.فالإسلام لابد أن يقدم بصورة صحيحة ومتكاملة للمسلمين وغير المسلمين.. حيث إن العالم كله في حاجة إلى الإسلام، لأن المذاهب أصبحت متساوية عند الإنسان الغربي، وأصبح كل ما يعتقده الإنسان الغربي موضع نظر وشك وريبة ولابد للإسلام أن يتقدم في هذه الظروف.أما المشكلات الأخرى المادية فإنني أحاول من خلال دراستي لمناهج البحث أن أثبت وأدعو الناس إلى الإيمان بأن المنهج العلمي هو الذي يحل المشكلات وليس الحديث العشوائي أو الجانب النظري أو المهاترات.إن لدينا مثلاً مشكلات مواصلات ومشكلة تنمية اقتصادية وبشرية، بالإضافة إلى تفشي الأمية وعدم استيعاب التقدم العلمي والمخترعات الحديثة.
مشكلة حامد أبوزيد
* سيد القمني ود. نصر حامد أبو زيد كانا أبطالا لمعارك ثقافية وفكرية شغلت الرأي العام.. فما هو موقفك من هذه المعارك؟
ـ بداية الكاتب أو الباحث لابد أن يكون مهتماً بقضايا عصره وقضايا مجتمعه، أما أن يصدم الكاتب مشاعر الجماهير فعليه أن يتحمل تبعة هذه الصدمة، والكاتب لابد أن يكون لديه ما يضيفه، ويكون له أثر فعال في توجيه الناس، أو تنشيط معلوماتهم، وهذا الأمر يتطلب قدرا من الحصافة غير موجود لدى كثير من الكتاب، فعل سبيل المثال نجيب محفوظ عندما قدم شخصية «السيد عبد الجواد» البعض اعتقد أنها نوع من المزاح، أو الدعابة.
ولكنها كانت قمة التناقض الذي كان يعيش فيه المجتمع العربي آنذاك، فرغم الاحتلال والقمع الذي كان يمارس عليه، إلا أن ثمة صورة أخري لوحش اجتماعي اسمه رب الأسرة، الذي يعيش داخل منزله بطريقة معينة وفي الخارج يعيش بشكل آخر مختلف تماما، فنجيب محفوظ أراد أن يقول للمجتمع العربي «أترك النفاق» وهي نقطة فلسفية في ثلاثية نجيب محفوظ، أما الكتاب الذين نوهت إليهم الآن، فهم مجتهدون، ورأيي أنه كان يجب أن تظل اجتهاداتهم محصورة في حيز البحث العلمي.
ولا تخرج للإعلام، لأن هذا أحدث شرخاً في ذاكرة القراء وصدم مشاعر الجماهير، ونحن في مجال البحث العلمي نتحدث عن كل شيء ونناقش كل القضايا التي تزيد عما قاله نصر أبو زيد ألف مرة، ورددنا على الكثير من الأبحاث الغربية الشبيهة بأفكار أبو زيد والتي تفوقها بكثير، لكن المشكلة أن هناك بعض الباحثين الذين أدمنوا الظهور أو الشهرة، وأنا أؤكد أن هذه الكتابة وإن أحدثت لصاحبها شهرة إلا أنه لابد أن يحترق بهذه الشهرة.
* ولماذا اعترضت على أفكار أبو زيد؟
ـــ أصعب ما في رؤية أبو زيد قوله بأن القرآن الكريم منتج ثقافي، وهذه العبارة لا يمكن أن يقبلها أي مسلم في أي دولة من دول العالم فالقرآن وحي منزل، وينبغي عدم التعرض له بهذا الشكل على الإطلاق، ومعنى القول بأنه منتج ثقافي أنه كان يراعي الظروف في عصر النزول وهذا صحيح، لكن ليس معنى هذا أن نطوّعه ليقبل تطورات المجتمع ولا يعني أيضا أنه منتج ثقافي لفترة زمنية محددة، فالقرآن به ثوابت، ويسمح بقدر من التغيرات.
وثوابت القرآن راسخة لدى علماء الفكر ورجال الدين بصورة واضحة تماما، لكن أن يأتي أبو زيد ويقول بتداخل الثوابت والمتغيرات مع بعضها فأنا أرفض هذا، فالميراث مثلا، جاء محددا في القرآن الكريم، ولا يجب أن يخرج أحدهم ويقول، إن الزمان اختلف والمرأة أصبحت تعمل ويجب أن تتغير مقاييس الميراث، وهذا اختلاق لأنه ثمة ثوابت في القرآن الكريم يجب ألا يتعرض إليها أحد.
* وما رأيك في الموقف الأخير من د.عبد الصبور شاهين بسبب كتابه «أبي آدم»؟
ـــ د. عبد الصبور وضع مؤلفا بعنوان «أبي آدم» وأنا ببساطة شديدة أحترم وجهة نظره، لكني لا أتفق معه في النتائج التي وصل إليها، وقد حدثته في ذلك بشكل مباشر.. د. عبد الصبور يقول إن آدم كان قبله نوع من البشر، وهؤلاء البشر فاقدو العقل، وأن هذه إحدى مراحل التطور التي مرت بها البشرية منذ ملايين السنين، وأنا شخصيا أقف من هذه الأمور موقفا متحفظا.
الأحزاب السياسية
* ننتقل إلى منطقة أخرى وهي موقفك من الأحزاب السياسية.. أليس غريبا أن يشغلك هذا الهم الأدبي ثم الفلسفي دون الانضمام لأي حزب سياسي؟
ـ لم أفكر أبدا في الانضمام لأي حزب سياسي، فقد تعودت على التفكير بحرية، بمعني أنني أحب أن أتخذ موقفي بنفسي دون توجيهات من أي أحد، إضافة إلى الأخطاء الفكرية العديدة التي يقع فيها القائمون على الأحزاب، وأنا لا أحب أن أتحمل نتائج الأخطاء الفكرية لغيري فلي عقلي الذي أفكر به.
* معنى ذلك أن لك موقفاً من الأحزاب السياسية؟
ـــ ليس بهذا المعني، فأنا أحترم الانتماءات الحزبية، وأقدر العمل الحزبي إلى أبعد مدى، لكن لا أريد أن أكون جزءا فيه، ليس فقط من أجل الأخطاء الكثيرة والمواقف المعلنة لدى معظم الأحزاب والتي تنم عن نظرة غير صحيحة للواقع المعاش، لكن في الأساس موقفي يرتبط بحرية الفكر، وحرية التعبير عن هذا الفكر.
* وما رأيك في العمل الحزبي داخل الجامعة؟
ـــ أرفض العمل الحزبي تماما داخل الحرم الجامعي، لكن في مقابل هذا، فأنا أشجع العمل السياسي إلى أبعد مدى، ففي تصوري، أن طالب الجامعة يجب أن يكون واعيا ومدركا لكل ما يدور حوله ولابد أن يكون متابعا جيدا لقضايا وطنه، وكذلك أحدث الحركات السياسية في العالم، وبالتالي يقوم برد فعل واعٍ تجاه هذه القضايا.
* ترى متى تنزل الفلسفة إلى الشارع العربي وكيف يستفيد المجتمع من ذلك؟
أنا شخصيا من أنصار نزول الفلسفة إلى الشارع العربي لمناقشة قضاياه ومفرداته اليومية، وقد أوضحت ذلك من خلال عدة أبحاث ودراسات آخرها كتاب أعتبره الأول من نوعه في العالم العربي وهو بعنوان «الفلسفة الإسلامية في العصر الحديث» وهو يتطرق لهذه المسألة بطريقة أكثر جدية، بمعنى أن الفلسفة القديمة كانت قضايا تاريخية ومشاكل لاهوتية في معظمها لا تهم الفرد بشيء، كما أننا لم يعد لدينا معتزلة أو أشاعرة أو جهمية أو ما إلى ذلك.
ومن ثم لا مجال لمناقشة الأفكار اللاهوتية التي أختلف حولها أجدادنا القدماء اليوم، الرجل يريد أن يجد مسكنا وملبسا وحياة آمنة، لذلك يجب أن يكون هذا هو الهم الأكبر، ولا يصح أن نترك هذا الهم ونذهب لمناقشة إحدى القضايا التي أرقت الجماعات الفلسفية قديما مثل مشكلة مرتكب الكبيرة، باختصار أنا مع مشكلات المجتمع، ولابد أن تساهم الفلسفة في حل هذه المشكلات.


