بعد رحلة طويلة من البحث والدراسة من أجل الوصول إلي اليقين اهتدي روجيه جارودي إلي الإسلام .. وقد جاء اعتناق المفكر الفرنسي للإسلام ليس من قبيل التجربة ولكنه كان شيئاً كالانجازات الكبري في حياة الانسان • في الثاني من يوليو عام 1982 أشهر جارودي إسلامه ، وقبلها اعتنق البروستانتينية وهو في سن الرابعة عشر ، وانضم إلي صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي .

وفي عام 1945 انتخب نائباً في البرلمان ثم حصل علي الدكتوراة في الفلسفة من جامعة السوربون عام 1953 ، وفي عام 1854 حصل علي الدكتوراة في العلوم من موسكو ، ثم انتخب عضوا في مجلس الشيوخ .وفي عام 1970 اسس مركز الدراسات والبحوث الماركسية وبقي مديراً له لمدة عشر سنوات . وبعد ذلك وعندما شرح الله صدره للإسلام تكونت لديه قناعة بأن الإسلام ليس مجرد دين يختلف عن بقية الأديان فحسب ، بل انه دين الله .. دين الفطرة التي خلق الله الناس عليها .. دين يكون الانسان به هو روح الكون وسيده .وهو يعني ان الإسلام هو الدين الحق منذ ان خلق الله آدم .. في هذه المرحلة اختلطت الكثير من القناعات لدي جارودي لكن بقي الإسلام القناعة الوحيدة الراسخة وظل يبحث علي النقطة التي يلتقي فيها الوجدان بالعقل، أو الابداع الفني والشعري بالعمل السياسي العقيدي ويعتبر ان الإسلام مكنه بالفعل من بلوغ نقطة التوحيد بينهما ففي حين أن الاحداث تبدو ضبابية وتقوم علي النمو الكمي والعنف ، في حين يقوم القرآن الكريم علي اعتبار الكون والبشرية وحدة واحدة ، يكتسب فيها الدور الذي يسهم به الانسان معني ..

وان نسيان الله خالق هذا الكون يجعل منا عبيدا هامشين خاضعين للعديد من الاعتبارات الخارجية ، بينما ذكر الله في الصلاة فقط يكسبنا وعياً بمركزنا وبموردنا : الذي هو اصل الوجود . دين المستقبل ورغم حداثة إسلام جارودي وكثرة المصاعب التي واجهته سواء من حيث اللغة أو الثقافة استطاع ان يؤلف أكثر من أربعين كتاباً منها : وعود الإسلام ، الإسلام دين المستقبل ، المسجد مرآة الإسلام ، الإسلام وأزمة الغرب ، حوار الحضارات ، كيف أصبح الإنسان انسانيا ، فلسطين مهد الرسالات السماوية ، مستقبل المرأة وغيرها .

وفي كتاب "الإسلام دين المستقبل" يقول جارودي عن شمولية الإسلام : أظهر الإسلام شمولية كبري عن استيعابه لسائر الشعوب ذات الديانات المختلفة • فقد كان اكثر الاديان شمولية في استقباله للناس الذين يؤمنون بالتوحيد • وكان في قبوله لاتباع هذه الديانات في داره ، منفتحا علي ثقافاتهم وحضاراتهم .

والمثير للدهشة انه في اطار توجهات الإسلام استطاع العرب آنذاك ليس فقط اعطاء امكانية تعايش تماذج لهذه الحضارات ، بل أيضاً اعطاء زخم قوي للايمان الجديد : الإسلام ، فقد تمكن المسلمون في ذلك الوقت من تقبل معظم الحضارات والثقافات الكبري في الشرق وأفريقيا والغرب . وكانت هذه قوة كبيرة وعظيمة له • واعتقد ان هذا الانفتاح هو الذي جعل الإسلام قويا ومنيعا • التقدم الحضاري وعن الحضارة الإسلامية يقول " جارودي" انه لن يحدث الفصل والتجزيئية بين الاشياء ، في الإسلام ، فالعلم متصل بالدين والعمل مرتبط بالايمان .

والفلسفة مستوحاة من النبوة والنبوة متصلة بالعقل ، والأرض غير بعيدة عن السماء والسماء علي اتصال بالأرض والتقدم الحضاري يسير نحو الله •• هذه الوحدانية في مفهوم الحضارة ومفهوم الجماعة يحتاج إليها عالم اليوم المجزأ في كل شئ •• وهذا ما جذبني نحو المفهوم الإسلامي للوجود . وعلي جانب آخر يقول جارودي : ان ما يجعل الانسان انسان هو امكانية تحقيقه للمقاصد الالهية ، وفي استطاعته ان يلتزم بالعهد او ان ينقض العهد .

فعلي حين أن الإسلام لايدخل في نطاق ارادة المخلوقات الأخري من نبات وحيوان وجماد ، اذ لاتستطيع الهروب من القوانين التي تسوسها ، نجد ان الانسان وحده يستطيع الامتثال، فيصبح مسلماً بقرار حر وباختيار كامل ، عندما يعي نظام الوحدة والكل الذي يكسب الحياة معني ، وهو مسؤول مسؤولية كاملة عن مصيره طالما باستطاعته ان يرفض او يستسلم للارادة الالهية • ويؤكد جارودي علي أن القرآن خالد وأبدي ويستطيع في كل وقت وزمن من التاريخ ان يفهمنا ويوضح لنا الطريق أو الصراط المستقيم وأن يرينا الهدف .

ويفند ادعاءات الغرب ضد الإسلام موضحاً أن روحانية الإسلام تجلت في صورة عديـدة بقوله : ان الإسلام وضع اللبنه لحل مشاكل الإنسان الروحية ، ولكنه لايحلها بنفسه أنهم الاشخاص الذين يحلون المشاكل ويبحثون عن الحلول لها • وواجه جارودي حملة ضارية في أوروبا بعد صدور كتابه (الأساطير المؤسسة للسياسات الاسرائيلية) والذي فند فيه مزاعم الاسرائيليون فيما حدث لهم أيام الحرب العالمية الثانية من إضطهاد واكذوبة الرقم الذهبي الذي يبتزون به الضمير العالمي .

ورغم ذلك تزداد صلابه الرجل الذي تجاور الثمانين من عمره وتمسكه بما اورده في كتابه وهو يواجه اللوبي الصهيوني الأوروبي والمحاكمة التي خضع لها وفق قانون جيسو الفرنسي الذي يحرم المساس او تكذيب الإضطهاد النازي لليهود • ويقف جارودي وحيداً إلا من إيمانه بالله وبالإسلام ويقينه من أنه لن يصيبه إلا مـا كتـب الله له