القول بقصر فن الإنشاد والابتهال على لغة واحدة أو ثقافة مجتمعية دون غيرها، أمر عار من الصحة، وإن كان الاعتراف بدور أبناء حضارة أو لغة أو ثقافة أمر لا اختلاف فيه، فالإنشاد الديني كانت بدايته على أيدي مجموعة من الصحابة - رضي الله عنهم - في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ثم مجموعة من التابعين ــ رحمهم الله ـــ الذين تغنَّوا بالرسول وخصاله وأفضاله.
وكانت قصائد (حسان بن ثابت) ــــ شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم ـــ هي المَعين الذي لا ينضب بالنسبة للمنشدين، ثم تغنَّوا بقصائد أخرى لغيره من الشعراء الذين كتبوا في موضوعات متنوعة منها: الدعوة إلي عبادة الله الواحد، ومنها ما يدعو إلى التمسك بالقيم الإسلامية وأداء الفرائض من صلاة، وزكاة، وحج إلى غير ذلك.هكذا النشيد الديني هو كل نظم للكلمات يهدف خدمة الدعوة إلى الإسلام سواء كان هذا النظم باللغة العربية أو غير العربية ما دام الهدف واحد، فها هو الشيخ يوسف إسلام أحد دعاة الإسلام في الغرب اعتمادا على فن الإنشاد الإسلامي، هذا الرجل الذي ينظر له كرمز دعوي في بلاد الغرب. هو الشاب الإنجليزي (ستيفن جورجيو) الذي كان يلقب بـ (ملك موسيقى الروك آند رول) في بريطانيا، الذي دخل الإسلام بعد تيهة طويلة في ظلمات الشرك دامت قرابة 28 سنة، فكان دخوله الإسلام .
إضافة خاصة وأن دخوله لم يكن إلا عن قناعة، بعد أن أوشك على الغرق في صيف عام 1975، عندما واجه دوامة شديدة ظهرت له فجأة، ومن ثم شعر بضعف شديد جعله غير قادر على الاحتفاظ بتوازنه في الماء في الوقت الذي لا يجد أحدًا قريبًا منه يمكن أن يساعده، فينادي في مشهد درامي مؤثر بأعلى صوته لعل أحدًا ينقذه لكن من غير جدوى، إلا أنه حين أوشك على الغرق صرخ بأعلى صوته: (يا رب .. لئن أنقذتني فلسوف أعمل من أجلك شيئًا)، وبالفعل استجاب الله لدعائه، ونجاه من ضره، وبرا بوعده لم يمكث كثيرًا حتى أعلن إسلامه وصار يوسف إسلام أشهر دعاة الإسلام في الغرب الآن.الميلاد والنشأة ولد ستيفن جورجيو في 21 يوليو 1947 بلندن في بيت مسيحي متعدد المذاهب، فقد كان أبوه يونانيًا أرثوذكسيًا، بينما والدته سويدية كاثوليكية، في الوقت الذي يعيش فيه المجتمع البريطاني طبقًا لتعاليم الكنيسة الإنجيليكانية، أدخلته أمه مدرسة دينية تعلم فيها أن الإنسان يمكن أن يصير إلهًا إذا أتقن عمله، فشجعه هذا على إجادة الغناء؛ إذ إنه سجل 8 شرائط قبل أن يبلغ العشرين من عمره.
ووصلت إحدى أغنياته ضمن أفضل 10 أغنيات في بريطانيا آنذاك، فغيّر اسمه إلى كات ستيفنز، وهو الاسم الذي ذاعت به شهرته، وأصبح يحلق في آفاق أوروبا كلها في ستينيات القرن الماضي، ولم يكن قد تعدى الثانية والعشرين من عمره بعد. أصيب ستيفنز عندما أتم عامه الثاني والعشرين بمرض السل، الذي أقعده في الفراش معزولاً عن الناس في أحد المستشفيات لمدة عام تقريبًا، لتكون هذه العزلة فرصة له للقراءة في كتب الفلسفة والتصوف الشرقي، هذه القراءة التي دفعته للبحث عن الطريق إلى اليقين الروحي؛ إذ كان يشعر بأن حياته بها شيء غير مكتمل على الرغم من النجاح الذي حققه، وفي النهاية قرر أن يعود إلي الغناء.
ولكن بمفاهيم جديدة تتسق مع ما قرأه في أثناء المرض، وبالفعل حققت أغنيتاه (الطريق لمعرفة الله)، و(ربما أموت الليلة) نجاحًا كبيرًا زاده حيرة. وأثناء هذه الفترة، قرر ستيفنز المسيحي أن يطرق باب البوذية ظنًا منه أن السعادة هي أن تتنبأ بالغد لتتجنب شروره، فصار قدريًا وآمن بالنجوم وقراءة الطالع، ثم انتقل للشيوعية ربما يجد فيها ما يبحث عنه وظنًا أن السعادة هي تقسيم ثروات العالم على الجميع، إلا أنه شعر أنها لا تتفق مع الفطرة.
وهروبا من الشك الذي يراوده والإرهاق النفسي والعقلي اتجه إلي تعاطي الخمور والمخدرات ليقطع هذه السلسلة الصعبة من التفكير بعد أن أدرك أنه ليست هناك عقيدة توصل إلي اليقين، وعاد مرة أخري إلي تعاليم الكنيسة، التي أخبرته أن الله موجود ولكن يجب أن تصل له عبر وسيط، فأدي هذا به إلي أن يختار الموسيقي دينًا له يفرغ فيها أفكاره ومعتقداته. دخول الإسلام ولكن جاء حادث الغرق ومرضه بالسل ليتصادف مع عودة أخيه من رحلة زار فيها القدس، وأحضر فيها له من هذه الأراضي هدية، وكانت عبارة عن نسخة مترجمة من معاني القرآن الكريم.
فأمسك بالمصحف على الفور ليجده يبدأ باسم الله، ولا يوجد اسم مؤلف على غلافه، وبدأ في قراءة هذا الكتاب محاولا البحث عن ثغرات فيه، ولكن هيهات أن يجدها فهو كلام الله المنزه عن الخطأ، بل وجده منسجمًا مع الوحدانية الخالصة؛ وهنا كانت بداية معرفته بالإسلام، وقرر السفر إلي فلسطين، ودخل المسجد الأقصى فأحس بالطمأنينة، وعندما رجع إلى لندن التقى بفتاة مسلمة صرح لها برغبته في إشهار إسلامه.
أخذت هذه الفتاة المسلمة هذا الشاب الباحث عن الحقيقة إلي المركز الثقافي الإسلامي بلندن، وهناك نطق بالشهادتين وأعلن إسلامه، وفي تلك اللحظة طوي الشاب الإنجليزي صفحة (كات ستيفنز) تمامًا، وأصبح يعرف باسم (يوسف إسلام)، وبدخوله الإسلام اعتزل يوسف إسلام الموسيقى الصاخبة.
ورأى أن يستغل موهبته التي أعطاه الله إياها في خدمة الدعوة إلي الله فقام بتسجيل عدد كبير من الأناشيد الدينية، التي ألفها بالإنجليزية مع تطعيمها بكلمات وجمل عربية لإكسابها روحًا إسلامية عذبة، فبدأ منذ 1993 في تسجيل مجموعة من الألبومات تجاوز عددها الآن عشرة ألبومات، وحرص في تلك الألبومات على إيصال قيمة ومفهوم الإسلام للمسلمين وغير المسلمين.
إذ تضمنت هذه الشرائط أناشيد وأغنيات دينية ذات محتوي تثقيفي تعليمي. وبالدخول إلي الإسلام بدأت رحلة يوسف إسلام الدعوية، ولكنها رحلة تتفق ومواهبه وميوله فالإنشاد الديني هو طريقه الذي يجيد دروبه، وبدأ المشوار بتقديم أول ألبوماته الإسلامية كمنشد، وكان هذا الألبوم بعنوان (حياة آخر الأنبياء)، والذي روى فيه القصة الكاملة لحياة الرسول.
كما تضمن أغنية (طلع البدر علينا)، وتلاه بالألبوم الثاني عام 1997م، وبالإضافة إلى هذين الألبومين سجل يوسف إسلام عددًا من الأغنيات الإسلامية للأطفال من أشهرها (هذا من أجل الله) التي تحولت إلي نشيد رسمي في عدد كبير جدًّا من المدارس الإسلامية في بريطانيا، وقدم بعدها أغنيتين مع فريق الأناشيد الماليزي (ريحان).
وهما، (الله هو النور)، و(خاتم الرسل). وسيلة صالحة في لقاءات عديدة له، أكد يوسف إسلام أن الإنشاد الديني وسيلة صالحة لمحاربة الموسيقى الفاسدة؛ لأنه من غير الطبيعي أن يُمنع الناس من الترفيه والاستمتاع بأوقاتهم، وأنه إذا كنا نري السوء في بعض الأشياء، فعلينا مهمة توفير البديل الحلال ليستمتعوا به.
موضحا أنه يحرص دائما على أن تكون أناشيده الدينية على نفس المستوي الفني والتقني لألبوماته السابقة حتى لا ينفر منها أحد. وفي سبتمبر 2002م، افتتح يوسف إسلام مقررًا إقليميًا لإحدى كبريات شركات التسجيلات والإنتاج الإعلامي ذات التوجه الإسلامي في دبي، في خطوة استهدفت تعزيز نشاط الشركة في منطقتي الشرق الأوسط والأقصى، وتعمل هذه الشركة في مجال إنتاج المواد الإعلامية المسجلة على أسطوانات مدمجة.
وأشرطة الفيديو، بجانب طبع الكتب والمؤلفات الخاصة بشرح ثقافة وقيم الإسلام، كما ركز بكل السبل على إيصال صوته إلى الأطفال انطلاقًا من أن المجتمع الغربي مبتلى بحوادث عنف وقتل يقوم بها الأطفال، بسبب عدم ترسيخ روح الإيمان بالله في نفوسهم منذ الصغر. لذلك حرص المنشد يوسف إسلام على تخصيص شريطًا للأطفال يعرفهم فيه بالله، وسماه: (A is for ALLAH).
وأرفق مع الشريط كتيبًا صغيرًا كتب فيه: (إن الطفل الغربي يتعلم منذ اليوم الأول: (A is for Apple) ولكنني أريده أن يتعلم منذ الحرف الأول: (A is for ALLAH)؛ الأمر الذي سينعكس عليه في المستقبل)، ورغم اهتمام يوسف إسلام بأمور المسلمين المختلفة فإن جل اهتمامه انصب على التعليم، الذي رآه البداية الحقيقية لتكوين جيل مسلم في أوروبا، فبدأ اهتمامه بالتعليم الإسلامي عام 1983 عندما أصبح رئيس وقف المدارس الإسلامية ببريطانيا؛ فأسس المدرسة الابتدائية الإسلامية تحت اسم (إسلامية).
ثم المدرسة الثانوية الإسلامية للبنين والبنات في شمال لندن ـــ وهما أول مدرستين إسلاميتين بريطانيتين ــــ ثم طالب الحكومة البريطانية بتخصيص ميزانية للمدارس الإسلامية أسوة بالمبالغ التي تخصصها الحكومة للطوائف الدينية المسيحية واليهودية.
ورغم أن الحكومة لم تستجب لطلب يوسف إسلام آنذاك فإنه لم ييأس، بل استمر في حملته إلى أن وافقت حكومة بلير السابقة على تخصيص ميزانية لدعم المدارس الإسلامية ببريطانيا، وليس هذا فحسب بل نجحت حملته في دعوة الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا إلي زيارة إحدى المدارس الإسلامية بلندن، والذي امتدح تلاميذها قائلا: (أنتم سفراء تقدمون المثل لأحد الأديان السماوية وهو دين الإسلام)، ولم يقتصر عمله الدعوي على الأناشيد والتعليم الإسلامي.
بل عكف على إدارة عددًا لا بأس به من المؤسسات الخيرية الإنسانية، مثل مؤسسة (العطف الصغير) التي تقدم خدماتها في مجال رعاية الأطفال وضحايا الحرب في منطقة البلقان، وجمعية (عمار المساجد) الدينية بجانب تأسيسه لعدد من الحلقات الدراسية للمسلمين الجدد في بريطانيا. معترك السياسة ولأنه كان معروف عنه بغضه الشديد للحروب والدمار والقتل، دخل يوسف إسلام معترك السياسة وأصبح داعية سلام عالميا.


