يصحبنا المفكر الإسلامي د. إسماعيل الدفتار الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف وصاحب الجهد الواضح في كل مجالات العمل الإسلامي، في جولة عن ذكرياته خلال شهر رمضان، خاصة في مرحلة طفولته وصباه، لما لهذه الفترة من تأثير في تكوين الملامح الرئيسية لشخصية الفرد، ويبدأ حديثه بقوله: كنت في السابعة من عمري حينما حاولت بإصرار صيام شهر رمضان المبارك، ولم يكن هذا الإصرار بدافع من إدراكي لحكمة الصيام بقدر ما كان بدافع التقليد للأسرة ومنافسة كل من يكبرني في السن، وكان ذلك في فصل الصيف حيث يطول النهار ويشتد الحر..
ولاحظ والداي آثار الحر والعطش بادية بوضوح علي فأخذا يلحان علي بالإفطار، ولكن هذا الإلحاح زادني إصراراً وحتى أستطيع إقناعهما بأن الصوم لا يرهقني، كنت أقفز وأجري وأقوم ببعض الحركات الأخرى، وعندما يئسا من إقناعي أمسكا بي ووضعا لي الطعام في فمي بالقوة.ولكنني رفضت ابتلاعه وأفلت منهما وأنا أصر على استكمال الصيام.. وبالفعل صمت عدة أيام أخرى، ولكني عجزت عن إتمام صيام بقية الشهر بسبب عدم قدرتي على التحمل، فنزلت على رغبة والدي راضيا حتى بلغت التاسعة وأنا أصر على الصيام إلى أن تم لي ذلك واستطعت صيام الشهر بالكامل. وينتقل بنا د. إسماعيل الدفتار إلى مرحلة الصبا من حياته وذكرياته فيها مع رمضان ويقول: كنت صائما في العقد الثاني من حياتي وكان الشهر الكريم يتوافق مع أحد شهور الصيف شديدة القيظ وعقب صلاة العصر كان على أن أحمل رسالة إلي من يعمل في الحقل الذي كان يبعد عن بلدتنا ما يزيد على ثلاثة كيلومترات أقطعها سيرا على الأقدام وكنت عازما على العودة للقرية قبل صلاة المغرب في المسجد وكان الكبار والصغار يجتمعون في انتظار الآذان في جو من البهجة والارتياح مازلت أشعر بهما كلما استرجعت ذكريات رمضان، ولذلك أسرعت في السير ذهابا وعودة.
وترتب على هذا أن جف حلقي وتصبب العرق غزيرا من كل جسمي حتى استسلمت للرقاد تماما بمجرد وصولي. وكلما أشار على من حولي بشرب القليل من الماء تصعب على نفسي أن أفطر وبيني وبين الآذان دقائق قليلة.. وتمر الدقائق بطيئة.. ويهبني المولى سبحانه وتعالى القدرة على التحمل حتى جاء موعد الإفطار ولا أستطيع أن أصف سعادتي بأنني استطعت أن أتم صوم هذا اليوم رغم أنني كنت السبب في الحالة التي وصلت إليها في ذلك اليوم.
استيعاب الدروس
ويذكر د. إسماعيل الدفتار موقفا آخر حدث له في رمضان عندما كان في السنة النهائية في المرحلة الابتدائية بالأزهر الشريف، أنه تكاسل عن مذاكرة الدروس اعتمادا على أن الفترة الباقية على ميعاد الامتحانات مازالت طويلة.
ويقول: ولكنني فوجئت بأن الامتحان قدم على موعده المحدد من قبل ليصبح بعد عيد الفطر مباشرة، فعزمت على أن أقضي معظم الوقت في المذاكرة حتى أتمكن من استيعاب كل الدروس قبل الامتحان، ورأيت وقتها أن الصيام بالنهار وصلاة التراويح بالليل تجعل الوقت ضيقا فقلت لنفسي الصيام لابد منه، ولكن صلاة التراويح يمكنني أن أؤديها في الثلث الأول من رمضان والثلث الأخير وأتفرغ تماما للمذاكرة في العشرة أيام الوسطى.
وعندما بدأت في ذلك بالفعل في الليلة الحادية عشرة قضيت الوقت من بعد الإفطار وحتى منتصف الليل لم أستوعب أكثر من صفحة ونصف من كتاب شذور الذهب في النحو، وكنت قد نويت تأخير صلاة العشاء حتى قبل السحور.
ووقتها قلت لنفسي إن ما أصابني من قلة الاستيعاب سببه تأخير صلاة العشاء والبعد عن المشاركة في صلاة التراويح بالمسجد، فقمت على الفور وتوضأت وبدأت في الصلاة، وصليت التراويح عشرين ركعة وختمت بركعة الوتر وعدت للمذاكرة حتى طلوع الفجر لأجد نفسي قد استوعبت خمسا وأربعين صفحة لأعرف أن الأساس هو توفيق الله لأن ما عنده من خير لا ينال إلا بالطاعة.

