ربما كان أفضل أسلوب لإلقاء الضوء ساطعاً على وضعية الجالية الإسلامية في النمسا، هو أن نتأمل المشهد كما يبدو لممثلين بارزين لطرفي هذه الوضعية، حيث نجد في كتاب «180 درجة بين الشرق والغرب» الذي صدر ليواكب معرض شامل للصور عن الحياة اليومية لأبناء هذه الجالية كلمة لوزيرة الشؤون الخارجية النمساوية أورسولا بلاسنيك جنباً إلى جنب مع كلمة موازية للكاتب والمؤلف طارق الطيب.

والملاحظة التي تلفت نظرنا قبل أي شيء آخر هي تركيز الكلمتين على الأهمية البالغة لمد جسور الحوار بين الجانبين.تحت عنوان «المسلمون في النمسا»، تقول أورسولا بلاسنيك في كلمتها مايلي:

التنوع والحوار يعد التنوع الثقافي لأوروبا إحدى نقاط القوة التي تتمتع بها هذه القارة، غير انه في الوقت نفسه يعد بمثابة تحد للحياة السياسية والقيام بالحفاظ على نموذج حياة أوروبي قوامه التنوع الثقافي القائم على أساس قيم لا غنى عنها مثل الديمقراطية وحكم القانون بطريقة اندماجية. ولكي يتم تقديم التنوع والتقاليد واندماج السكان المسلمين في النمسا فإن مركز الفنار للثقافة والتعليم قام بالتعاون مع وزارة الشؤون الخارجية النمساوية الاتحادية بإقامة معرض شامل يصور حياة المسلمين في النمسا اليوم.

إن الحوار بين الثقافات لا غنى عنه في أوروبا، وهو يبدأ في الدار الأوروبية وهذا الحوار يتعين أن يقوم على أساس منهاج عريض وينبغي ان يشمل النطاق الاجتماعي بكامله. والهدف هو أيضاً رؤية الخلافات كإثراء يجعل من معرفة دين وثقافة طرف الحوار شرطاً مسبقاً لا غنى عنه. وهذا الحوار بين الثقافات والأديان سيكون واحداً من أهم المهام التعليمية للعقد المقبل، ومن هنا فإن النمسا تؤيد فكرة ضرورة إعلان عام 2008 عاماً اوروبيا للحوار الثقافي الداخلي من قبل الاتحاد الأوروبي.في النمسا، يستند الحوار مع الإسلام إلى تقليد ممتد، وهذا هو السبب في ان الإسلام حظي أبناؤه بوضعية الجالية الدينية المعترف بها قانونا في النمسا في وقت مبكر يعود إلى عام 1912، وفي يونيو عام 2003 عقد مؤتمر للائمة الأوروبيين كان بمثابة إطار عمل لـ «إعلان جراز» بشأن ضمان الهوية الإسلامية في أوروبا والاعتراف بالتعددية والديمقراطية.

ويعد المؤتمر الدولي الذي عقد تحت العنوان الدال «الإسلام في عالم متعدد» في فيينا في نوفمبر 2005 ومؤتمر المتابعة للائمة الأوروبيين الذي عقد بمبادرة من الجماعة الإسلامية ووزارة الدولة الاتحادية النمساوية للشؤون الخارجية في فيينا في ابريل 2006 أمثلة لجهود مستمرة وملموسة تشعر النمسا بأنها ملتزمة ببذلها. وتؤيد النمسا كذلك مؤسسة أنا ليند التي تتخذ من الاسكندرية بمصر مقراً لها والتي تدعم الشراكة اليورومتوسطية، والتي بروحية الحوار بين الثقافات تدعم مشروعات ثقافية على امتداد حوض البحر المتوسط.

هكذا تكلم الطيب على الجانب الآخر من الصورة، وفي كلمة موازية، يقول الكاتب والمؤلف طارق الطيب، تحت عنوان «هذه الصورة الجديرة بالتأمل»: «عندما انتقلت إلى أوروبا، عادت إلى ذاكرتي العديد من الصور التي حملتها معي من طفولتي، وان كانت عودتها في ضوء مختلف.

لقد رأيت كيف أن الكثير من المشرفين ــ أولئك السادة من المكاتب ـــ يرغبون في أن تكون لهم الهيمنة على حياتنا نحن الضعفاء، أدركت ان قلة من الأساتذة ذوي المناصب الرفيعة في الجامعات يسعون إلى أن تكون لهم هيمنة غير قابلة للنقاش، وعرفت ان بعض السكان (الأصليين) هنا في النمسا، الذين نظروا ألينا باعتبارنا غرباء ومغتربين قد أرادوا النظر إلينا من عل.ولقد رأيت في متاحف أوروبا انعكاساً فنياً لمثل هذه الرؤية الفوقية، ولاحظت أنه ما من تجسيدين لهذه الرؤية كانا متشابهين، الأمر الذي يجعل هذه الرؤية في نهاية المطاف مضطربة ومثيرة للحيرة.وبالنسبة للبعض فإنهم يريدون ان أثرى الصورة الموجودة في أذهانهم، والتي تعد مجهولة بالنسبة لي، بالصورة المألوفة لدي.والبعض في النمسا يودون أن أدعم هذه الصورة الموجودة في أذهانهم والتي يفترضون أنني أعرفها.

وبالنسبة للبعض في النمسا، فإنهم يرون أنني قد ابتعدت عن قضيتي الروحية، وبالنسبة للبعض الآخر فإنهم يرون فيّ مجنداً محتملاً لتلك القضية.وما من أحد يريد رؤية حقيقة الصورة المرتسمة في ذهني. فهناك عوينات كثيرة للغاية تستقر على أنف كل ناظر الي، وهم يكبرون الصورة أو يقلصونها، ويضفون الغموض عليها أو يوضحونها، وهم يلمعونها أو يبالغون فيها أو يغيرونها أو يشوهونها وهلمجرا.الآن، إذن، من الذي قال لكم ان هذه الصورة التي ترونها هي صورتي؟

كامل يوسف حسين