ذكر الله تبارك وتعالى المرأة في كتابه الكريم مرات كثيرة وحدثنا عنها سبحانه وتعالى في مراحل عدة تعكسها السطور التالية والتي تعرض لمختلف النساء اللائي جاء ذكرهن في القرآن الكريم.
يقول تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ) القرآن الكريم ذلك الكتاب المعجز الذي حدثنا عن أخبار الغابرين والمؤمنين والكافرين.. يأتي في إحدى آياته الكريمة ويحدثنا عن امرأتين أتت سيرتهما معا وضرب بهما المثل في الكفر معا على الرغم من اختلاف الفترة الزمنية والتاريخية التي عاشت فيهما وهما وإن بعدت بينهما المسافة الزمنية. فقد اقترنت أفعالهما واتسمت بالكفر وعدم الإيمان والخيانة المعنوية لأزواج لم يكن كأي أزواج بل كانوا رسلا وأنبياء فأما امرأة نوح فهي زوجة شيخ الأنبياء نوح عليه السلام أحد الرسل الخمسة أولي العزم الذين اجتباهم الله سبحانه وتعالى برسالته ومنحهم من الاختبارات والابتلاءات فصمدوا أمامه وبلغوا رسالات ربهم فاستحقوا أن يكونوا «أولي العزم» حقا وصدقا، وأولو العزم هم بالترتيب الزمني نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين وسلم.
ونبي الله نوح كانت له في أسرته محنتان...!! أما المحنة الأولى فكانت في ولده كنعان الذي رفض عبادة الإله الواحد وأبى إلا أن يعبد التماثيل والأصنام التي لا تضر ولا تنفع وأما المحنة الثانية فكانت في زوجته تلك الزوجة العنيدة التي أبت إلا الكفر ولم تكتف بنفسها بل أخذت ابنها «كنعان» في طريقها المسدود وصحبته معها في أعياد الآلهة المزعومة وكان لديهم معبد يدعى «معبد الشمس الكبير» وبه خمسة من التماثيل المقدسة التي ذكرها لنا القرآن الكريم فيقول تعالى:
(وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) نوح 23 فيقدمان الطعام والشراب للسدنة والكهان الذين يتمتعون بدورهم بكلمات غير مفهومة ثم يسيرون للآلهة ويعودون مرة أخرى يشيرون لمن قدم القرابين وتعلو وجوههم بسمة غامضة يدرك منها من قدم القربان أن الآلهة راضية عنه..
وتلتفت امرأة نوح فتجد ابنها كنعان قد تسلل إلى حيث الراقصات في الجانب الآخر من المعبد حيث الاختلاط المشين بين الرجال والنساء فنادت على ابنها كنعان مرة أخرى حتى يعود معها ولم تشغل نفسها لكنها عادت مرة أخرى ناحية الأصنام وأخذت تبتهل لتلك التماثيل التي لا تضر ولا تنفع وما لبثت أن دست يدها في جيبها لتخرج بعض قطع القماش المبللة بالعطر لتمسح بها أقدام التماثيل..!!
ويا لها من امرأة تأبى أن تستجيب لصوت الحق الذي يبلغه زوجها نوح نبي الله المرسل وترده قائلة:وهل نترك دين أباءنا وأجدادنا من أجل ما تدعوه إليه أنت؟!
ويجمع نوح الأبناء والزوجة ويدعوهم جميعا إلى ترك عبادة الأصنام وإلى عبادة الواحد الأحد الذي خلق السموات والأرض وتأمل آياته العظيمة الكون بما رحب.ويبدأ سيدنا نوح عليه السلام يسرد نعم الله علينا وبأنه المستحق الأوحد في هذا الكون بالعبادة وتبدأ صدور أبنائه بالانشراح إلى دعوى الحق إلا ابنه كنعان وأمه ظلا على عنادهما بل ومحاربة الله في نوح. وكان الابن والأم كلما دعاهما الأب إلى رسالته أبيا واستكبرا وغطيا وجوههما بثيابهما ووضعا أصابعهما في أذانهما وأبيا الهداية وظلا على طريق الضلالة سائرين.
ولما لبث نبي الله نوح يدعو قومه سنوات طويلة تزيد على التسعمئة عام ولم يستجب له إلا نفر قليل دعا نبي الله نوح على قومه فيقول تعالى:(وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارا «26» إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارا ).
واستجاب الله تعالى لنبيه نوح وأمره بصنع السفينة فقد كان نوح يعمل نجارا يصنع الأثاث من قطع الأخشاب ولما بدأت السفينة تكتمل البناء، ازدادت سخرية الكافرين وعلى رأسهم امرأة نوح من صنع السفينة وكانت تلك المرأة الكافرة لا تدخر جهدا في التصدي لدعوة الخير التي كان يدعو إليها زوجها.. فكلما جاءت لها واحدة من جيرانها لتسألها عن تلك الدعوة وهل من الخير اتباعها أم الانصراف عنها.. كانت تجيبها..
لو كان فيها الخير لاتبعتها أنا وابني كنعان...؟!
وتزداد امرأة نوح احتقارا لزوجها وتقليلا من شأنه وتخبره بأن الجميع يسخر منه ومن دعوته..، لكن نبي الله نوح لا يزيده ذلك إلا ثباتا على دعوة الحق وإصرارا على نشر دين الله.
وعندما علمت زوجة نوح أن الطوفان سوف يفرق الأرض ولن ينجو أحد إلا من يركب السفينة مع نوح لم تصدق ذلك وأخبرت ابنها كنعان الذي استغرق بدوره في نوبة هستيرية من الضحك على ما يقوله أبوه!!
وما لبثت المرأة أن جلست بجوار ابنها تنعي حظها لأنها تزوجت نبي الله نوح..!! لكن ما هي إلا أيام بعد سنوات حجر ويتحقق وعد الله وتنفتح أبواب السماء بماء ينهمر وتنفجر المياه من الأرض وتغرق الأرض في طوفان كبير لا ينجو منه إلا من ركب السفينة مع نوح..
وينادي النبي الأب على ابنه كنعان.. اركب معنا يا ولدي آمن بالله لكن الابن الذي استحوذ عليه الشيطان وزين له عمله يؤكد للأب أنه سيأوي إلى صخرة عالية لكن هيهات هيهات فلا عاصم من الله اليوم ويغرق الابن العاق وتغرق الزوجة الكافرة العنيدة وتظل مثالا باقيا للعناد الذي ورث الكفر وللزوجة الجاحدة التي لم تقف وراء زوجها تدفعه وتؤمن به كما فعلت غيرها من النساء.. وتظل مثالا سيئا للامتناع عما فعلت تلك الزوجة الكافرة لا للاتباع.
جيهان محمود

