عن جهود المستشرقين في كشف التاريخ العربي يحدثنا عبدالله علي العليان فيشير إلى أنهم قدموا خدمات جليلة ومهمة في مجال الحفاظ على المخطوطات العربية وفهرستها والاعتناء بها من الضياع والتلف وتعدى ذلك إلى تحقيق الكثير منها ونشرها وكتبوا الكثير من البحوث والدراسات القيمة من خلال تحقيقها تحقيقا علميا وترجموا مئات الكتب العربية والإسلامية كنتاج لهذا التحقيق.
وقد أثمر هذا الجهد القيم من الاهتمام بالمخطوطات العربية خطوات ذات قيمة علمية قيمة فبالإضافة إلى جهود المحافظة عليها وصيانتها وفهرستها فهرسة علمية تم وضع وصف دقيق للمخطوطات والإشارة إلى ما يتضمنه كل مخطوط من موضوعات إلى جانب ذكر المؤلف وتاريخ ميلاده ووفاته وتاريخ تأليف أو كتابة المخطوطات أو نسخها.
وقد تم وضع هذه المخطوطات في المكتبات العامة للإطلاع عليها والاستفادة من مضامينها الفكرية والعلمية ومن هذه الجهود وضع فهرس المخطوطات العربية الموضوع باللغة الإنجليزية في مكتبة لندن في عشرة مجلدات وقد بلغ الغاية من الدقة والشمول واشتملت فهرسته على عشرة آلاف مخطوط في نهاية القرن قبل الماضي وقد حصل هذا العمل أيضا في كل الجامعات والمكتبات الأوروبية وتم عمل فهرسات دقيقة للمخطوطات.
ويعد هذا الأمر في نظر البعض بحق شهادة للاستشراف العلمي والمنهجي النزيه الذي أضطلع بهذا الجهد العلمي وهو أمر يتضح لو قارنا ما يجري لمخطوطاتنا في العالم العربي و الإسلامي وبين الجهود التي بذلها المستشرقون حيث سنجد أن البون شاسع بين ما قام به هؤلاء المستشرقون وبين ما قمنا به نحن وسنجد أننا لم نقم بجهد يذكر للحفاظ على هذه الكنوز العلمية وما تحتويه من مآثر قيمة أدبية وعلمية وثقافية وغيرها من المعارف.
لقد قدر المستشرقون المخطوطات الشرقية عندما أهملناها وتركناها نهبا للضياع والتلف فجمعوها أو ساعدوا على جمعها بوسائل شتى وبهمة لا تعرف الكلل ولم يكتفوا بترتيبها في مكتبات الغرب التي تعد بالمئات بل تعاونوا على ترتيبها في مكتبات الشرقين الأوسط والأقصى وشمال أفريقيا فتوالي على دار الكتب المصرية الأمناء منهم وهكذا جعلوا التراث الشرقي من أهداف المكتبات والمتاحف والمعاهد التي كانت وما زالت مراكز لصيانة التراث الإنساني وتثقيف المتأخرين به وتحقيق المعاصرين فيه ونقل روائعه إلى الأجيال التالية.
ولذلك فإن البعض يقدم شهادة تشيد بهذه الجهود ومن هؤلاء محمد كرد على حيث يقول إنه «لولا عناية المستعربين بإحياء آثارنا لما انتهت إلينا تلك الدرر الثمينة التي أخذناها من طبقات الصحابة وطبقات الحفاظ ومعجم ما استعجم وفتوح البلدان وفهرست ابن النديم .
ومفاتيح العلوم وطبقات الأطباس والمقدسي والإصطخري.. إلى جانب عشرات من كتب جغرافيا ورحلات فتحت أمامنا معرفة بلادنا في الماضي وبها وقفنا على درجة حضارتها ولولا إحياؤهم تاريخ إبن جرير والمسعودي لجهلنا تاريخنا الصحيح وأصبحنا في عماية من أمرنا ولو جئنا نعدد حسناوات دواوين الشعراء وكتب الأدب والعلم التي أحيوها لطال بنا المطال».
