أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب.
وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.
مزارع الرياح في ثقافتنا العربية دور لا يغيب للرياح، ما بين قوتها وعنفوانها وما بين رقتها وإيقاعها الناعم الوئيد. لا ينسى قارئ الكتاب الكريم دور الريح الصرصر العاتية التي عصفت بقوم نبي الله هود عليه السلام حين أنكروه ورفضوا دعوته إلى صراط مستقيم..
لكن كتاب العربية الأكبر، كما كانت تصفه الأستاذة الراحلة بنت الشاطئ، يحرص على أن يفي الرياح حقها من بين عناصر الطبيعة ومواردها حين يلفت النظر إلى قدرة الخالق عز وجل في قوله «وأرسلنا الرياح لواقح» بمعنى أن تحمل على متونها بذور الحياة تنقلها بين مختلف كائنات نعلمها وكائنات أخرى لا نعلمها وبمعنى أنها تحمل السحب نطفا من مواد تشحنها ببوادر المطر فإذا بالغيث ينهمر والأرض العطشى تسقى وتتجدد بذلك دورة الحياة.
وبقدر ما تعرف الثقافة العربية – الإسلامية معنى الريح الصرصر العاتية فهي أيضا تعرف معنى أن الريح رخاء وأن ريح الشمال ونسمات الصَبا تأتي برونق البرد يخفف هجير الرمضاء.. دع عنك أن يرفع الشاعر شكواه قائلا: حجبوها عن الرياح لأني.. قلت يا ريح بلّغيها السلاما.
ثم ها هي فطرة الإنسان تهديه إلى أن يستثمر هبوب الرياح فيحولها إلى طاقة للحركة وللضوء على السواء.. تماما كما ركب الإنسان متن البحر وكما أقلع في الهواء وكما غاص في جوف الأرض ليغترف من نفطها وذهبها وفحمها ما يدفع به الحضارة على سطح هذا الكوكب إلى الأمام.
ولا بد من الاعتراف بأن الناس سبقوا على مدار عصور موغلة في القدم إلى محاولة استغلال هبوب الرياح من أجل استخلاص الطاقة، واستخدموا في ذلك الآلات المبسطة التي تترجم حرفيا بأنها طواحين الرياح.. وأحيانا مصانع الريح.. وظلت هذه الآلات على اختلاف مواقعها موصولة الاستخدام منذ عهد الإغريق والرومان إلى أقطار مثل هولندا والدنمارك في الزمن المعاصر.
لكن النماذج الأحدث وربما الأكفأ في توليد طاقة الرياح.. تفوقت فيها العقول اليابانية بالدرجة الأولى.. وقد يلفت النظر في هذا السياق أن لا نطالع اسم مخترع غربي لا من أوروبا ولا من أميركا.. بل اسم الياباني «كاشيو ميغور» وقد سجل اختراعه لواحدة من أحدث آلات توليد الطاقة من هبوب الرياح.
وكان ذلك تحديدا في 7 إبريل من عام 1980 وفيما ينسب الاختراع إلى المواطن الياباني، ويشاركه في براءته كل من وكالة تسخير العلم والتكنولوجيا للأغراض الصناعية ومعها وزارة التجارة والصناعة الدولية والجميع كما يقول سجل المخترعات من سكان العاصمة طوكيو.
ورغم ما تم اتخاذه من خطوات أو إجراءات متقدمة لتطوير آلات «الطاقة الريحية» كما تصفها أدبيات الأمم المتحدة – إلا أن الفكرة المحورية في هذا المضمار هي تلك التي تناهت إلى إنسان القرن العشرين من واقع تجارب وخبرات أمم سبقت وحضارات غبرت.. حيث تدور الفكرة – كما هو معروف – على أساس تدوير زعانف أو أجنحة أو عنفات توربينات ثلاثية الشفرات تواجه مهب الرياح..
ويعمدون إلى تركيبها فوق قوائمها المنصوبة على السواحل والتلال والهضاب التي تستقبل عادة هبوب الريح بما يؤدي بالطبع إلى تحريك الأجنحة أو الشفرات ومن ثم إلى تدوير عمود يفضي بدوره إلى تشغيل مولّد منتج للطاقة.. ومن الإضافات المحدثة ما يتمثل في تركيب منظم يحول دون شدة تحريك الأجنحة أبان العصف الصرصري للرياح مما قد يؤدي إلى تصدع الهيكل المنصوب كله أو بعض مكوناته.
باختصار شديد فإن مولّد الرياح يعمل عكس ما تعمل المروحة المتعارف عليها: فجهاز الرياح يستخدم الهواء لتوليد الكهرباء.. والمروحة تستخدم الكهرباء لتوليد.. الرياح.. وكلما اتسعت إمكانية جهاز الرياح أمكن للتوربينات أن تولد طاقة يصل حجمها إلى 750 كيلووات وهي كمية من الكهرباء كافية – كما يذكر الخبراء – لتزويد 300 منزل حديث بما يلزمه من الكهرباء.. طبعا مع شرط وحيد.. وبسيط وهو أن تجود السماء وأحوال الطقس بهبوب الرياح.. وهو شرط لا غنى عنه بطبيعة الحال.
وكم درج أهل السواحل أو المرتفعات على توليد ما يسعهم من طاقة لتدوير آلاتهم البسيطة للري أو رفع المياه من الآبار من أجل مختلف الاستخدامات.. وكانت العملية تتم على أساس تلبية مصالح الفرد أو الأسرة المؤلفة من مجموعة محدودة من الأفراد..
لكن الاستغلال الجمعي الحديث للطاقة الريحية أصبح يقضي بتجميع التوربينات المستخدمة على صعيد واحد وضمن انساق محددة التصميم ولدرجة راجت معها التسمية التي اشتهرت حاليا وهي.. «مزارع.. الرياح» التي أصبحت صورها شائعة وتتناقلها ميديا الإعلام حيث تظهر الآلاف منها وقد دارت أجنحتها أو زعانفها وكأنها أشبه بدوامة أسطورية هائلة.. وهي صورة منقولة في أغلب الأحيان عن مناطق درجت منذ سنوات على هذا الاستخدام.. في الدنمارك وفي ولاية كاليفورنيا الأميركية على وجه الخصوص.
لكن الرياح، وهي من موارد الطاقة البديلة عن المصادر الأحفورية – الكربونية المنشأ، ما زالت أمامها أشواط تقطعها لكي تصبح سائغة التناول.. ومكتملة القدرة من أجل التعويل عليها لتلبية الاحتياجات الحيوية من الطاقة اللازمة لحياة البشر في القرن الحادي والعشرين. مناصروها يهللون لها على أساس أنها مورد نظيف تماما لأنه نادر وربما معدوم المخلفات أو الانبعاثات المسببة للتلوث.
المشككون يردون عليهم بقولهم أن توربينات مزارع الرياح تسبب تلوثا من نوع آخر وهو تلوث الضوضاء.. وأن ثمة حوادث خطيرة، وربما فادحة، تقع في حالة انفصال الأجنحة أو الشفرات خلال عنف الدوران فيصبح الواحد منها أشبه بسكين هائل ينطلق مثل قذيفة صاعقة عبر الأجواء..
هذا فضلا عن المشكلة الأزلية التي تتمثل في أن يظل الناس.. حياتهم.. ومصالحهم في البيت.. المستشفى.. المختبر.. المدرسة.. الخ. تحت رحمة الرياح.. قد تهب رخاء وعطاء.. وقد لا يروق مزاجها فإذا بها لأمر ما تمتنع عن الانطلاق.. وما أشد ضعف الإنسان!.
طاقة الشمس
الشمس زينة مجموعة الكواكب التي تعد الأرض.. واحدا – مجرد واحد - من أفرادها. ويكفي أن يكرّمها القرآن الكريم بسورة خاصة، تماما كما أضفى التكريم على القمر: الأولى تجري لمستقر لها والثاني قدّرته عبقرية الخالق منازل ورسمت لكل مسارا ومجّرة.. وكلُُّ في فلك يسبحون..
ولقد ظل القمر مهوى للعشاق ورمزاً للرومانسية.. ومهما بالغ علم الفضاء وعلوم الجيولوجيا الحديثة في الحديث عن سطح القمر ومدى وعورته وخشونته وخوائه.. فالإنسان المعاصر يطالع هذه الأحاديث التي جاء بها أرمسترونج الأميركي.. منذ نزوله على سطح القمر سنة 1969..
ولكنه ما زال يقرأ ويعجب ويتأثر بمشهد الشرفة الشهيرة الذي شهد مناجاة روميو وجولييت تحت أشعة القمر في رائعة الانجليزي شكسبير.. أو يقرأ مسرحية الأميركي تشاينبيك بعنوان «في مغيب القمر» أو ينعم برحيق القصة القصيرة التي تكثف لحظات ثمينة من حياة البشر في قصة موباسان الفرنسي بعنوان «تحت ضوء القمر».
الشمس بدورها كانت، وما زالت، محور الاهتمام على مر تاريخ الإنسانية الطويل.. الكتب المقدسة تحدثت عن معجزاتها.. حضارات الشرق الأقصى القديم تعاملت مع الشمس بمنطق التكريس..
وهكذا فعلت الحضارة القديمة في الشمال من وادي النيل التي ما زالت آثارها تحفظ تراتيل «تل العمارنة» في صعيد مصر الأوسط مرفوعة إلى جناب المعبود الجليل.. «آتون» وهو الشمس في مفردات لغة مصر القديمة. الشاعر الجاهلي وصف ممدوحه النعمان بن المنذر بأنه شمس.. والملوك كواكب، والعاهل الفرنسي لويس الرابع عشر الذي يؤرخون لعهده بنشأة فرنسا الحديثة.. كان يتخذ لقب «الملك الشمس».
لهذا كان منطقيا أن يحلم الإنسان دوما بأن يستمد موارد الطاقة من آتون.. الشمس وأشعتها التي تسلط على كوكب الأرض.. المعتم أصلا مع مطالع الصباح.. ومع تعمق الإنسان الحديث في بحث المسألة اتضح له أن أشعة الشمس الواصلة للأرض –.
وقد يكون هذا لطفا من السماء- أشعة ذات كثافة منخفضة ومن ثم فالأمر قد ينطوي على تكاليف من أجل تحويلها إلى طاقة قابلة للاستخدام. ومن المشاكل البديهية أيضا أن الشمس تزور الناس في ساعات النهار وتؤوب إلى خدرها كما قد يقال في ساعات الليل. وبهذا قد يتطلب الأمر إمكانات لخزن الطاقة المولدة حتى لا تبترد أو تضيع.
ومع هذا كله فقد عكف الباحثون عبر سنوات القرن العشرين على سبل التوصل إلى استغلال أشعة الشمس كمورد للطاقة.. لا سيما بعد انعقاد أول، وربما أهم، مؤتمر عالمي بشأن «موارد الطاقة البديلة والمتجددة» في نيروبي، كينيا عام 1981 تحت إشراف الأمم المتحدة. وكان في مقدمة هذه الموارد إمكانات الطاقة الشمسية وتطوير سبل الإفادة منها..
ولم تكد تمضي 6 سنوات حتى سجلت مكاتب الاختراع في ولاية ويسكونسون الأميركية براءة جهاز كان الأحدث من نوعه في مجال واحد من تلك الاستخدامات وبالتحديد يوم 11/9/1987 تحت بند «استخدام أشعة الشمس لإنتاج الطاقة» وكان مخترعا الجهاز هما توماس بيرنز وسنثيا بيرنز اللذان طرحا وقتها ما أصبح يعرف باسم «الفرن الشمسي» وقامت فكرته على استقبال الأشعة الشمسية على ألواح مخصوصة ضمن حيز التسخين الحراري الذي كان مزودا بباب من الزجاج المعتم..
ومن ثم تنعكس الحرارة المتولدة مرة ومرات داخل حيز التسخين، ولا بأس من تزويد الجهاز أيضا بشبكة أنابيب في قاعة يتولد في داخلها الأبخرة الحارة على حفظ الحرارة المنبعثة وزيادة معدلاتها.
ومرة أخرى يقول المشجعون: أنها خطوة إيجابية في كل حال، إذ يتيح الجهاز الطهي مثلا في بوادي الصحراء التي تفتقر إلى الكهرباء من ناحية ويعوزها ما يكفي من حطب الوقود من ناحية أخرى. ولكن يقول المنتقدون أن الفرن الشمسي يحتاج إلى وقت أطول من الأفران التقليدية.. وأنه يستحيل تشغيله بداهة عندما تغيب الشمس ويحل الظلام.
ويقول المتفائلون: لا بأس من مواصلة التجريب وخاصة في مجال أجهزة تجميع الأشعة الشمسية ونصبها فوق السطوح والأماكن المرتفعة ومواصلة البحث والتطوير لحين التوصل إلى أفضل وأنجع طريقة لحفظ هذه الأشعة في بطاريات أو خلايا مخصوصة بحيث يستفاد من هذا المورد الطبيعي المتاح بأنجع الطرق وأوفرها من منظور الاقتصاد.

