«رمضان ع البال»... إطلالة نعود بها من وقت إلى آخر مع أعمال تلفزيونية كانت تؤنس الناس في الأمسيات الرمضانية، وشكلت مساراً إبداعياً في الأعمال الدرامية والتي بفضلها تحتل دبي اليوم مكانة متقدمة في مسارها الراهن لتكون عاصمة للإنتاج الدرامي العربي عموماً والخليجي خصوصاً.
ما زلت أذكر الصدى الذي حققه عرض الجزأين من مسلسل «رأفت الهجان» لدى تقديمه كاملا في شهر رمضان الكريم قبيل نهاية ثمانينات القرن الماضي، وقبل أن تنتشر الفضائيات، فقد روج لهذا العمل بطريقة مذهلة في محلات الفيديو، وكان معظم هذا التداول سريا في بعض أنحاء العالم العربي، والتي وجدت فيه مادة تجارية رابحة.
وبطبيعة الحال تأخر عرض العمل في بعض الدول العربية بسبب محاذير رقابية من المسلسل الذي أطاح بالمعايير جانبا وحكى عن الكثير من التفاصيل ودخل في مناطق غير مأهولة قبل الآن في الدراما العربية.
وربما لم يقتصر الأثر الذي أحدثه الهجان في الساحة المصرية والعربية على الدور الدرامي الذي جسد من قبل طاقم فني بارع، بل يمكننا القول ان هناك حربا جديدة وانتصارا آخر حققته مصر بعد حرب أكتوبر عام 1973، فالحرب الإعلامية الجديدة، مهدت لانتصار إعلامي قل ان نراه في العالم العربي ضد إسرائيل وفقا لمعطيات أرخ لها جهاز الاستخبارات المصرية بدقة بالغة وكشف عنها في وقت جدير بأن يسجل فيه هزيمة جديدة لإسرائيل.. فما الذي فعله رأفت الهجان بطل السياسة والدراما ؟
تعددت الأسماء والبطل واحد
رأفت الهجان هو الاسم الفني البديل للمواطن المصري رفعت علي سليمان الجمال (1 يوليو 1927 - 30 يناير 1982) الذي وحسب المخابرات العامة المصرية رحل إلى إسرائيل بتكليف من المخابرات المصرية في إطار خطة منظمة في يونيو عام 1956 م وتمكن من إقامة مصالح تجارية واسعة وناجحة في تل أبيب وأصبح شخصية بارزة في المجتمع الإسرائيلي.
وحسب الرواية المصرية فإن الهجان قام ولسنوات طويلة بالتجسس وإمداد جهاز المخابرات المصري بمعلومات مهمة تحت ستار شركة سياحية داخل إسرائيل حيث زود بلاده بمعلومات خطيرة منها موعد حرب يونيو 1967 وكان له دور فعال في الإعداد لحرب أكتوبر 1973 بعد أن زود مصر بتفاصيل عن خط بارليف. أحدثت هذه الرواية والعملية هزة عنيفة لأسطورة تألق الموساد وصعوبة اختراقه.
وتم اعتبار الهجان بطلاً قومياً في مصر عمل داخل إسرائيل بنجاح باهر لمدة 17 سنة، وتم بث مسلسل تلفزيوني ناجح عن حياة الهجان الذي شد الملايين وقام بتمثيل دوره بنجاح الممثل المصري محمود عبد العزيز تحت الاسم الفني المعروف برأفت الهجان، وهو في الحقيقة رفعت علي سعيد الجمال الذي عرف في إسرائيل باسم جاك بيتون وقيل في العمل الدرامي أن اسمه ديفيد شارل سمحون.
لماذا بكى صالح مرسي؟
حسب بيانات صحافية منسوبة له، يروي الكاتب الكبير صالح مرسي أنه في الرابع من فبراير عام 1987 ظهرت إلى الوجود قصته الكبيرة عن عميل المخابرات رأفت الهجان، كانت القصة مثيرة وكان الكاتب الكبير حسبما يقول قد قرر وقتها أن يتوقف عن كتابة هذا النوع من الأدب، لولا لقاء بالمصادفة جمعه بشاب لطيف من ضباط المخابرات المصرية أخذ يلح عليه وبشدة أن يقرأ ملخصا لعملية من عمليات المخابرات، ويقول صالح مرسي: «أصررت على الرفض وأصر هو في الإلحاح على مدى ثلاثة أشهر كاملة».
تحت الإلحاح قرر صالح مرسي أن يقرأ القصة وذات ليلة حمل الملف الذي يحوى تفاصيلها إلى غرفة نومه وشرع في القراءة، وهنا يقول الكاتب رحمه الله عن تلك الليلة: «عادة لا أحمل معي إلى غرفة نومي إلا الصحف والمجلات لكني قبل أن أستريح قليلا من القيلولة وقعت عيناي على الملف، وبدأت أقرأه ولم أشعر بنفسي حتى دخلت زوجتي الحجرة وفوجئت بدموعي تتساقط»، يومها تساءلت زوجته في لهفة عن السبب؟
رد مرسي قائلا: «إنت فاكرة إنك متجوزة راجل، وإن اللي حوالينا دول رجالة؟ هناك رجالة لهم طعم تاني خالص، وهناك رجالة نوعيات مختلفة». وكان صالح مرسي محقا إلى حد كبير، فالرجل الذي يضع رقبته تحت المشنقة لمدة 20 عاما ويعيش داخل إسرائيل، أقل ما يقال عنه إنه أسطورة.
وهكذا بدأ الكاتب العمل على مسلسل جديد ونوعي في الدراما العربية، كشف عن المستور، كما يقال في اللهجة المصرية الدارجة، وفضح على مدار أسابيع ما أسست له إسرائيل على مدار نصف قرن.
نجومية مع مرتبة الشرف
كل من عمل مع رأفت الهجان الجاسوس كان بطلا استثنائيا في أجهزة الاستخبارات المصرية، وكل من عمل في «رأفت الهجان» المسلسل حصل على نجومية جديدة مع مرتبة الشرف، ابتداء بمحمود عبد العزيز مرورا بإيمان الطوخي ومحمد وفيق ويوسف شعبان ومحمد الدفراوي وعلا رامي..وغيرهم ويضاف لهم بطبيعة الحال الكاتب والمخرج يحيى العلمي، وباقتدار عمار الشريعي الموسيقار الذي ألف أسطورة موسيقية مؤثرة قدمها دون مقابل تحية لطاقم العمل ولروح رأفت الهجان.
وإذا سلمنا بنجاح التجربة فنيا، فإن ما يسجل لهذا الإنتاج الكبير أنه فتح آفاقا جديدة في عالم الدراما العربية ووسع من الهوامش الرقابية في مصر على الأقل، مع العلم أن هذا المسلسل قدم للمرة الأولى قصة من عالم الجاسوسية ومن ملفات مخابرات أضخم جهاز عربي.
وبالتالي فإن الجرأة في تقديم المادة الفكرية لا يقابله إلا جرأة في تقديم المادة الفنية، ويبدو أن من حق النجم الفنان محمود عبد العزيز أن يمتنع عن تقديم أي عمل درامي آخر لا يليق بالمكانة التي حققها له رأفت الهجان، ولا نغالي إن قلنا ان هذا العمل، الذي قلما يمر عام دون أن تعيد بثه محطة عربية، قد نقله إلى مصاف نجوم الصف الأول في مصر على الرغم من كل مشاركاته السينمائية.
هكذا رحلوا
رحل صالح مرسي وبقيت كلماته تلك التي ذكرناها عنه، ومسلسلان هما رأفت الهجان والحفار، وربما من مصادفات الأقدار أن يرحل البطل رفعت علي سعيد الجمال «رأفت الهجان» بالتزامن مع رحيل الكاتب والمخرج يحيى العلمي الذي صار ينادي عليه في الوسط الفني المصري بـ«المايسترو» نتيجة عمله المتقن في رأفت الهجان الذي قدمه كأحد أهم مخرجي الدراما التلفزيونية في مصر.
جمال آدم
