التحف والمشغولات اليدوية القديمة هي تاريخ الأمة, ماضيها وحاضرها بيوتها وقلاعها ووجوه أهلها الكرام , هذا الكلام يستشعره ويؤمن به محمد ناصر يوسف الزرعوني أقدم رجل أعمال إماراتي في مجال التحف القديمة والانتيكات ، فما كان يجمعه وهو فتى صغير كهواية نما حتى بات حرفة يتقنها وما دفعه إليها إحساس ورغبة دفينة في المعرفة لسبر أغوار التاريخ والماضي العريق.
عن بداياته قال : من يعمل بهذه المهنة يصبح لديه ولع كبير بها فهي تحمل كنوزا لها قيمة كبيرة للشخص الذي يقتنيها وأنا أعمل بها منذ العام 1964 حيث كنت آنذاك هاويا لجمع العملات والطوابع الفضية والورقية إلا أن هذه الهواية تحولت إلى حرفة بعد أن منحني والدي رحمه الله جزءا من بقالته لأضع فيها كنوزي التي جمعتها.وما شجعني على أن أخطو هذه الخطوة رغم أنها كانت الأولى من نوعها على مستوى الدولة بسبب قلة الوعي الذي لم يكن قد تشكل بعد في مجال قيمة التحف والأثريات عملي في المعسكر البريطاني في الشارقة وحماسة الضابط المسؤول عني الذي كان يرى أن هذه المهنة نادرة ومهمة للغاية فصاحبها من وجهة نظره يحمل كنوزا لها قيمة مادية و معنوية عظيمة، فما تحتويه من صناعات حرفية قديمة ومأخوذة من الماضي تحمل من الأسرار والغموض الكثير .
وأضاف: توسعت بعد ذلك في نطاق بحثي حيث كنت أجلب التحف المحلية من أوان ودلال قهوة وبنادق و صناديق إضافة إلى الحلي الخليجي والعماني وسافرت أيضا برفقة ابني إلى الهند وباكستان وإيران وإلى دول أوروبا كبريطانيا حيث صادف أن حصلت على تحف إماراتية كثيرة سربت إلى الخارج واسترجعناها بثمن باهظ كالخناجر والبنادق النادرة وبعض المدافع الصغيرة وعملات ورقية تعود إلى الإمارات و قطر والبحرين والسعودية وعمان , مشيرا إلى أن ابنه يعمل حاليا في مجال العملات النادرة الذهبية الفضية والورقية .وحول الأسباب الحقيقية التي دفعته لولوج هذا المجال أكد الزرعوني أن متعة المهنة تتمحور فيما تحتويه من أسرار ومعلومات ورموز تتناول الماضي بتفاصيله الدقيقة كما أنه يراها تشكل نسيجا ثقافيا بالغ الأهمية يعبر عن ثقافة وتقاليد المجتمعات وتاريخها الحضاري .
وقال عملي في هذا المجال جعل عندي نظرة ثاقبة فمجرد النظر لأي قطعة قديمة استطيع أن احصر تاريخها بعد لمسها بيدي كما أنني أميز المقلد وللأسف لدينا في الدولة هنا أكثر من 80 بالمئة من التحفيات مقلدة كما أن هناك بعض التحفيات المعمولة من بعض الأدوية.وهي فائقة التزوير إلا أنني استطيع كشفها بسهولة خاصة أن أسعار التحف متفاوتة حسب نوع المعدن وجودته وعمره فالقطعة القديمة من البديهي أن تكون باهظة الثمن أما المقلدة والجديدة فيكون سعرها رخيصا أو متوسطا بحسب دقة صنع القطعة , مضيفا أن التزوير يكون غالبا في العملات الورقية ذات الفئات العالية إضافة إلى تزوير الحلي والخناجر والبنادق.واسترسل في حديثه الذي غلفه طابع الحنين إلى أول محل افتتحه عام 1964 في سوق اسمه « سوق السلطان» في الشارقة و قال : بعته واشتريت آخرا عام 1982 في السوق الإسلامي لأن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة قام بترميم مكان السوق على نفقته الخاصة ومنح التجار محلات دون مقابل مادي لمدة سنتين تلاها فرض إيجار رمزي بهدف تشجيع حركة التجارة في تلك المنطقة. مضيفا انه أخذ محلين في الطابق العلوي وخصصهما لتجارة الانتيكات , مضيفا أن حركة التجارة في هذا المجال بدأت بالانتعاش وبات لها قيمة وطنية وتاريخية وتجارية وكثرت المحلات التي تعمل في هذا المجال كما أصبح الناس أكثر تقديرا ووعياً لأهمية المقتنيات الأثرية ودورها في حفظ تراث وتاريخ الأمم ,إضافة إلى الاهتمام الحكومي بهذه الثروات من خلال تشكيل الجمعيات واللجان.
وأضاف أن أكثر زبائنه من أبناء الدولة ومن دول مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى أبناء الدول العربية الأخرى فيما يندر شراء الأجانب بسبب غلاء بعض القطع فمثلا عملات إصدار قطر ودبي كان ثمنها في الماضي 250 درهما أما الآن فالعملة الواحدة تصل إلى 28 ألفا وأول إصدار لعملة في دولة الإمارات كان ثمنها 1800 درهم وصل إلى خمسة آلاف فيما وصل سعر العملات التذكارية في فترة ما قبل الاتحاد إلى ألف درهم بعد أن كانت بعشرة دراهم فقط . وقال إنه يمتلك في منزله مقتنيات من أوان فخارية ومنزلية وخناجر ومدافع قديمة تعود إلى أكثر من مئة سنة.
الحاج ناصر ينتمي إلى جيل معظم أبنائه من الجماعة التي تولت عبء الحياة القاسية وشغف العيش وحرارة الجو وانعدام ابسط الاحتياجات ورغم ذلك فانه وغيره ممن عايشوا فترة الأربعينات والخمسينات يتمنون أن يعود بهم العمر ولو لحظة مؤثرين حياة القسوة على الرفاهية التي اسماها بالمزيفة، مشيرا إلى انه ولد عام 1935 في إمارة الشارقة.
حيث امتازت الحياة الاجتماعية بقوة ترابطها فالأهل والأقارب والأصدقاء من فريج الغرب إلى الشرق وإلى الشمال والجنوب كأنهم أسرة واحدة إذا غاب احدهم ليوم واحد يتهافت الجميع إلى زيارته وإذا احتاج احدهم إلى العون هب الكل إلى مساندته والغريب انه برغم عدم توفر وسائل النقل إلا أنهم كانوا أكثر ترابطا وانتماء والمشي وسيلتهم للتزاور والتواصل وقد كان عدد السيارات قليلا جدا وكانت سيارة الزرعوني رقمها 35 وتحديدا في أواخر الخمسينات .
وقال إن لشهر رمضان في تلك الأوقات خصوصية عالية حيث يعمل كل بيت في الفريج نوعا من الطعام ويتم تبادله بين البيوت وينتظر الصائمون وقت أذان المغرب ليشربوا الماء أو الحليب والتمر ثم يهرولون لأداء فريضة الصلاة وكانت بعض المساجد تقدم التمر والحليب للمصلين الذين يفطرون مع بعضهم البعض ويقضون الوقت في قراءة القرآن حتى موعد أذان العشاء وصلاة التراويح ليعودوا إلى بيوتهم ويبدأون بتناول إفطارهم ثم ما يلبث أن يلتقوا عند صلاة الفجر وهو ما نفتقده اليوم.
فالفرد يصلي على عجالة ويخرج مسرعا كما أن العلاقات اعتراها الجمود رغم أن الحياة باتت أكثر سهولة والتنقل بات سهلا علاوة على وجود الهواتف وغيرها من التقنيات إلا أن الخاسر هو الإنسان الذي لم يعد يعيش يومه بهناء وراحة بال , مضيفا أن قلة الإمكانيات فيما مضى لم تكن تحول دون مساعدة الملهوف والمحتاج وفي حال طلب الدين لم تكن هناك مكاتبات أو شيكات لان الثقة والكلمة كانتا بمثابة عقد يلزم صاحبة بالسداد.
وأكد أن حرارة الجو لم تكن تشكل لديهم مشكلة كبيرة إذ كان يعيش الناس في بيوت مصنوعة من سعف النخيل تسمى الدعون كنا نعيش في منطقة بعد الرولة وفي الشتاء عند دوار الساعة حيث كانت المنطقة تسمى بالغدير لكثرة تجمع مياه الشتاء فيها أما بالنسبة للماء فكنا نشربه في إناء يسمى كروره.
وهي كوز من الفخار نملأه بالماء ونغطيه بالقماش ونربطه بحبل ونضعه في قاع بئر في الصباح الباكر ونشربه عندما يصبح باردا, معربا عن أمله في أن يتحلى شباب اليوم بخصال أجدادهم الذين كانوا يتمسكون بالقرآن الكريم وسنة نبيه ويتسابقون إلى بيوت الله دون أن تغريهم مكاسب الدنيا وصراعاتها المادية.
نورا الأمير - تصوير: يونس يونس



