ينتمي مسجد مستشفى راشد بدبي إلى نوعية المساجد الصغيرة حجماً ومساحة، التي توقع باحثون اختصاصيون بارزون، وعلى رأسهم بروفسور أوليج جرابار، انتشارها كشكل رئيسي لمساجد المستقبل على امتداد العالم الإسلامي.

لابد من التمييز هنا بين مساجد الأحياء الصغيرة التي هي انعكاس مباشر للزيادة السكانية الكبيرة من ناحية والموارد الأهلية المحدودة غالباً من ناحية أخرى، وبين المساجد الصغيرة التي تقام كجزء من كيان معماري أشمل، تؤدي في إطاره مهام وظيفية واضحة، على نحو ما نرى في المساجد التي تقام في إطار حرم جامعي مثلاً، أو كما هي الحال هنا في مجمع مبان يضم تسهيلات طبية عدة.هذا المسجد، شأن المستشفى نفسه، هو ابن الاتجاه المعماري الذي كان سائداً وقت إطلال هذا المجمع تحت آفاق دبي.

لو عدنا بالذاكرة إلى هذه المرحلة، التي كان النصف الثاني من العشرين قد استهل فيها مسيرته، ولكنه لم يوغل فيها بعد، لوجدنا أن الاجتهادات المعمارية كانت بالغة التعدد والتنوع، وقد سمحت الجهة المعنية ذات سلطة الإشراف، وهي بلدية دبي به. وهي لا تزال تسمح حتى اليوم، فهي لا تضع إلا الحد الأدنى من الشروط المعمارية التي تكفل عدم الإضرار بالهيكل العام للمدينة وفلسفتها التخطيطية الشاملة.وهناك، بالطبع، من يعترضون على هذا الإطار العام للضوابط، ويرون أنه قد يؤدي إلى ظهور ما يسميه المعماريون بالجروتسكية المعمارية، أي إدخال أنماط معمارية غريبة عن روح المدينة ونسيجها العام.

ولكن تلك ــ كما يقولون ــ قصة أخرى، فلنعد إذن إلى هذه المرحلة التي شهدت تردد أصداء العمارة الحداثية التي نجدها هنا منعكسة في تصميم هذا المستشفى، والتي يرى البعض أن أصداءها ستنحسر مع بروز تيارات معمارية أخرى تفرض حضورها بقوة.يلفت نظرنا في هذا المسجد عنصران هما المئذنة والقبة، وقد تعامل المعماري معها بشكل فريد، وقد كان يمكنه التخلص منها كلية، كما لم يتردد مصممو بعض المساجد الحداثية في القيام به بجرأة وحسم. من الواضح أن المعماري شاء الالتزام بهذين العنصرين التقليديين لصورة المسجد كما تحتفظ بها الذاكرة الجمعية للمسلمين على امتداد العالم الإسلامي، ولكنه تعامل معها وفق مقتضيات ما تمليه العمارة الحداثية.

هكذا فإن المئذنة التي تنهض من الأرض، غير بعيد عن بدن المسجد نفسه، تغدو إطاراً يومئ ويلمح، تغدو رمزاً واستحضاراً أكثر من أي شيء آخر فهي بالفعل إطار مفرغ، استحضر المصمم من خلاله معنى المئذنة بالحد الأدنى من الجهد والمواد، وبالحد الأقصى من الجمالية والرمز.وفيما يتعلق بالقبة، فقد مضى المعماري بها إلى الحدود القصوى، مضى بها إلى حيث يحولها إلى حضور مطلق، فهو يقدم لنا القبة وقد تحولت هي نفسها إلى المسجد، فغدت سقفه، وجدرانه، بل واحتوت بشكل استيعابي مدهش على أعمدته الحاملة وعقوده.

صحيح أن هذا المفهوم المعماري ليس بالجديد، ونراه يصل إلى ذروته في بعض المساجد الشهيرة كمسجد النيلين في السودان الشقيق ومسجد كلية الشرطة في القاهرة، لكنه هنا التجلي الأول لهذا المفهوم في شبه الجزيرة العربية بكاملها، وهو ينساب في رقة وسلاسة وبلا تعقيد وظيفي من أي نوع.

نظرة واحدة على داخل المسجد توضح هذا الذي قلناه حالاً، حيث نلاحظ، ابتداء، غياب الأعمدة الحاملة من قاعدة الصلاة الرئيسية، لأن المسجد منفذ كما لو كان وحدة من قلب مسجد عثماني، فسقفه قبة، أعمدتها الحاملة عند الأطراف، تتماهى في براعة ــ هنا ــ مع الجدار الخارجي حتى لتشكل جزءا من نسيجه.

وتنعكس الإيحاءات الحداثية في المشروع الزخرفي أيضا إلى جانب الأبعاد الإنشائية، حيث يقتصر هذا المشروع على التوظيف الجمالي للعقود، وعلى حشوة زخرفية بسيطة تعلو المحراب وميداليتين زخرفيتين تحفان به، ويبدو المنبر تجسيداً حقيقياً للبساطة والبهاء.

كامل يوسف - تصوير: محمود الخطيب