لم يقلد الطبيب في صغره ولم يكن الطب حلم طفولته بل اتجه إليه لإحساس إنساني بأهمية الطبيب وقدرته على تخفيف معاناة المرضى فتخصص في العيون وتعمق إلى القرنية لرغبته في مساعدة ضعاف البصر للحفاظ على هذا النور الإلهي ورؤية الحياة والاستمتاع بجمالها.
الدكتور والجراح الإماراتي صالح المصعبي استشاري زراعة القرنية بمدينة الشيخ خليفة الطبية جاء للإمارات حاملا معه مشاعر الحب للوطن والرغبة في العطاء صاحبها قلق أولي أحسه كانت له أسبابه التي أزالتها التجربة الحقيقية وانجازه برنامج زراعة قرنية متطور بالدولة.اقتربنا منه للتعرف على حياته المهنية والشخصية وكيف دخل عالم الجراحة ونجح في كسب ثقة مرضاه وأصعب اللحظات في حياته، وما إذا كان لمهنته انعكاساتها على حياته الخاصة وكيف كانت تجربة عمله في الإمارات وهل يفكر في العودة إلى كندا.* كيف كانت بداية الدكتور صالح المصعبي في عالم الطب وانتقاله إلى جراحة العيون؟
ــ درست الطب في جامعة ماكجيل مونتريال بكندا لمدة 5 سنوات وحصلت منها على دكتوراه بجراحة العيون حيث حصلت على الزمالة الكندية بطب وجراحة العيون ثم أمضيت سنة في دراسة تخصص زراعة القرنية وقررت بعدها القدوم إلى الإمارات لخدمة أهل بلدي وعلاج المحتاجين منهم.* هل قلدت في طفولتك الطبيب كما يفعل الصغار عادة؟ لم أحلم بالطب ولم أقلد الأطباء بل كان التخصص الذي قررت دراسته وأنا ناضج لما لمسته من أهمية وقدسية هذه المهنة وقدرتي على العطاء فيها ولكن اختياري لتخصص العيون كان جراء إحساسي بأهمية نعمة الإبصار حيث مرت بي مواقف عندما كنت في سن صغيرة وكنت أرى أناسا أعرفهم لديهم أمراض في العيون أدت إلى عجزهم عن الإبصار وكنت أشعر بالضيق لعدم قدرتي على مساعدتهم لذا قررت التخصص في مجال جراحة العيون ومنها تخصصت في زراعة القرنية.
* كيف كانت فكرة تنفيذ برنامج لزراعة القرنية في مدينة خليفة الطبية؟ــ انضممت في يناير الماضي إلى مدينة الشيخ خليفة الطبية في أبوظبي لأبدأ عمليات زراعة القرنية باستخدام التقنيات الحديثة، ولم تكن المستشفى مجهزة بالشكل الكافي لبداية زراعة القرنية ولكن في زمن يعد قياسيا تم تجهيز كافة المستلزمات والمعدات الطبية لمثل هذه الجراحات وبدأنا بالفعل تنفيذ برنامج زراعة القرنية ولدينا قائمة انتظار تكفي لعام من الآن.
زراعة القرنية
* ما هي التقنية الجديدة التي تجرون من خلالها جراحات زراعة القرنية؟
ــ فكرة زراعة القرنية ببساطة تقوم على طبيعة القرنية التي تتكون من عدة طبقات إضافة إلى طبقة الخلايا الحيوية فعادة يتم في زراعة القرنية نقل القرنية بكل طبقاتها بما فيها طبقة الخلايا الحيوية من المتبرع إلى الشخص المريض وكثيرا ما يحدث رفض الجسم للقرنية الجديدة بسبب طبقة الخلايا الحيوية المنقولة من المتبرع لذا فان الجراحة الجديدة اعتمدت على نقل طبقات القرنية من المتبرع مع الاحتفاظ للمريض المنقولة له القرنية بطبقة الخلايا الحيوية الخاصة به مادامت سليمة بمعنى التعامل مع الجزء المصاب من القرنية وذلك عن طريق تقنية حقن الهواء بين الطبقة الحيوية وما تبقى من القرنية ثم تزرع القرنية بدون استخدام الخلايا الحيوية.
* من أين تحصلون على القرنيات في ظل وجود حالات عديدة؟
ــ نتعامل مع بنوك العيون في أميركا وهي منظمات غير ربحية ولديهم نظام التبرع بالأعضاء منذ عشرات السنين ونحن في مدينة الشيخ خليفة الطبية نتعامل مع أفضل تلك البنوك لذلك فان القرنية التي تتوفر لنا مرتفعة السعر نوعا ما حيث أن تكلفتها تتراوح بين 2500 إلى 2800 دولار.
* وجود بنك عيون في الإمارات سيوفر الكثير من التكاليف هل هناك توجه لمثل هذه الفكرة؟
ــ الحقيقة أن الدراسة جادة في هذا المجال على مستوى الدولة ودول الخليج لأن التبرع بالأعضاء حلال في الإسلام مادامت ليست مبنية على تجارة أو استغلال للأفراد أي أن تقوم على التبرع برضا من الشخص ودون أي ضرر عليه وتدرس الجهات المعنية في الدولة تنظيم عمليات التبرع بالأعضاء عامة والقرنية بشكل خاص وقد قطعوا شوطا كبيرا فيها وسنرى نتائج ذلك قريبا.
* كيف كان شعورك وأنت تجري أول جراحة في القرنية؟
ــ لا يمكنني تحديد شعور لأول جراحة لأنني درست في كندا ونظام الدراسة هناك يقوم على ما يسمى «بالطبيب المقيم» بمعنى أننا نتدرب من البداية داخل مستشفيات ولنا كل الصلاحيات فيها تحت إشراف وتوجيه من الأطباء والأساتذة المختصين، وبالتالي فان تعاملنا مع الجراحة والمرضى كان تدريجيا ولم يكن هناك شعور مفاجئ، ولكن بيئة العمل الجديدة في الإمارات أخافتني في البداية وكنت قلقا من فكرة التأقلم معها.
* ألديك تفكير في العودة إلى كندا مرة أخرى ؟
ــ بالعكس أنا أشعر بتقدم واهتمام كبير بالطب في الإمارات والمستشفى التي أعمل بها تقدر الأشخاص الراغبين في العطاء فأنا سأسافر لمزيد من المعرفة ولكن عملي وعطائي سأقدمه لبلدي الإمارات ولأبنائه.
* غالبا يفضل المرضى السفر للخارج في الحالات التي تتطلب جراحة،ألم تخيفك فكرة عدم الثقة هذه عندما عدت للإمارات؟
ــ لقد لامستم نقطة حقيقية وشعور راودني قبل مجيئي إلى الإمارات حيث كان لدي تخوف من عدم ثقة المرضى في أي طبيب خاصة فيما يتعلق بالجراحات الحساسة وتفضيلهم السفر إلى الخارج بحثا عن التقنيات والطب المتقدم في الدول الأوروبية ولكن الواقع حمل لي أمراً مختلفاً لم أكن أتوقعه فأنا من تجربتي أستطيع القول إن المريض اليوم يثق في الطبيب الإماراتي كأي طبيب آخر فرغم أن هناك مرضى فضلوا السفر للخارج إلا أن النسبة الأكبر أرادوا إجراء الجراحة لدينا داخل الدولة ولدي قائمة انتظار بإمكاني العمل عليها لعام مقبل كما أن هناك أطباء زملاء مواطنين بدأوا في التخصص بمجالات مختلفة اليوم.
* ما تعليقك على حقيقة اعتذار العديد من الأطباء عن إجراء الجراحات التي تخص أقرب الناس لهم رغم خبراتهم؟
ــ هذا واقع فالطبيب مهما كانت خبرته واسعة وثقته بأدائه كبيرة وان كان مطالبا بفصل المشاعر الخاصة عن العمل إلا أن أداء الطبيب لجراحة تخص مريض مقرب منه جدا كابنه أو ما شابه أمر صعب ولن يكون إلا إذا اضطر لذلك لعدم وجود بديل أو كونه تخصص نادر، لأن الطبيب في النهاية إنسان وحاجز القرابة الكبير لا يمكن إزالته بمجرد ارتدائه البالطو الأبيض لأنه في بعض الأحيان ربما تأتي الأمور بنتائج ضد المريض، لذا يفضل أن يتجنب الجراح جراحات أهله لأن هناك مشاعر أسرية وإنسانية قبل المهنية.
* تعمل وتؤدي الجراحات تحت أي ظروف لأن المريض لا يعرف أمورك الخاصة، فكيف تفصل بين الجانبين؟
ــ كثير من المهن تتطلب من العامل فيها الفصل بين العم والمشكلات أو الضغوط الشخصية والطبيب أكثر المهنة بحاجة لذلك لأنه يتعامل مع أرواح الآخرين فالمريض يأتي متأملا في الطبيب وطلبا للعلاج وواضعا ثقته في هذا الطبيب فيجب أن نكون كأطباء على قدر المسؤولية كما أنني بمجرد دخول غرفة العمليات فان هناك رهبانية للعمل تسيطر علي وأتوكل على الله ولا أفكر إلا في حياة المريض وصحته فرهبانية الموقف وثقة المريض العمياء في الطبيب تساعد في الابتعاد عن الأمور الشخصية ونسيانها تماما.
* متى يمكن للدكتور صالح المصعبي الاعتذار عن جراحة ما؟
ــ في إطار جراحات القرنية اعتذر عن الجراحة التي أكون واثق فيها من أن المريض لن يتابع بعدها لوجوده في مكان يمنعه من ذلك مع وعلمي بوجود درجة إبصار متوسطة لديه لأنه إذا أجرى الجراحة ولم يتابع بعدها فسيكون إبصاره كله مهدد بأي مضاعفات لذا أنصحه بالاحتفاظ بما لديه من درجة إبصار لأن كثير من الجراحات قد تنجح ولكن عدم المتابعة من المريض تتسبب في فشلها لإهماله لي مضاعفات يتعرض لها، فالتفاهم بين الطبيب والمريض والثقة المتبادلة أمر مطلوب.
* إلى أي مدى تؤمن بالصراحة مع المريض والتي يبتعد عنها بعض الأطباء بحجة عدم إخافة المريض؟
ــ من أكثر أسباب النجاح في أي جراحة هو تعريف المريض بوضعه الحقيقي وبكافة المضاعفات التي يمكن أن يتعرض لها وان كان احتمال حدوثها ضعيف جدا ولكن لابد من شرح الحالة كاملة للمريض والهدف من الجراحة وما سيترتب عليها وعملية المتابعة المطلوبة، فأنا في حالة جراحة القرنية بالرغم من أن الالتهاب البكتيري من المضاعفات التي يمكن أن تصيب حالتين من بين ألف حالة إلا أنني أخبر المريض بها فهذه مسؤولية فليس الطبيب وحده المسؤول بل المريض مسؤول أيضا ولابد أن يسأل ويستفسر وألا يمل منه الطبيب فهذه حياته وصحته ولابد أن تكون ثقافة المجتمع هكذا.
* ماذا عن حياة الدكتور المصعبي الشخصية؟
ــ متزوج ولدي طفل اسمه «سعود»عمره سنتان وسبعة أشهر وزوجتي تخصصها في مجال إدارة الأعمال ولا علاقة لها بمهنتي.
* وقت الطبيب ليس ملكا له، فهل تعاني من هذا في حياتك الشخصية؟
ــ في بداية زواجي كانت طبيعة عملي مشكلة وعبئا على زوجتي لأن وقتي بالفعل ليس ملكي ولكن مع الوقت حدث تفاهم أكبر بيننا ولم تعد هناك إشكالية بالعكس أنا ألقى التشجيع الكبير منها.
* هل ترى أن وجود الزوجين في نفس المهنة أفضل للتفاهم؟
ــ الأمر لا يرتبط بقاعدة محددة فهناك من يعملون في ذات المهنة وبالعكس تجد لديهم مشكلات أكثر من غيرهم ولكن عقلية كل طرف ومدى استيعابه هي أساس العلاقة الناجحة، ولكل وضع ايجابياته وسلبياته لذا فالأمر مرتبط بالشخص ذاته.
* شهر رمضان ماذا يعني لك وكيف يكون عملك خلاله؟
ــ أنا لم أمض شهر رمضان على مدار الست سنوات الماضية في الإمارات بل كله كان في كندا وليس لديهم أي تغيير في التوقيت أو الدوام هناك مرتبط بالشهر الفضيل ولكنني وأنا صائم عملي وانجازي يزداد وليس العكس وأنا سعيد أنني أمضي رمضان هذا العام في الإمارات لأن له طعم ونكهة مختلفة في بلدك وبين اهلك.
* بعيدا عن المشرط ورائحة التخدير ماذا يفعل د. المصعبي خلال أوقات فراغه؟
ــ أهوى كرة القدم كثيرا إضافة إلى لعب البلياردو وفي كندا كنت أستمتع كثيرا بركوب الأمواج، ولكن هذه الهوايات تكون ممارستها محدودة لأن الطبيب يبقى طوال حياته يدرس ويتعلم من خلال متابعته لكل جديد في تخصصه، فأنا أهوى كتب التاريخ والروايات ولكني لا أجد الوقت لقراءتها بل إنني أستغرب من الطبيب الذي يريد أن يكون متابعا لكل جديد في مجاله ويجد وقتا لقراءة كتب وأشياء أخرى.
* أصعب موقف عشته حدثنا عنه.
ــ عندما ولد ابني قبل موعده وأمضى فترة شهرين في حاضنة خاصة بالعناية بالأطفال كنت قلقا عليه جدا وأراقب حالته وأتابعها باستمرار.
* أكثر موقف طريف تذكره؟
ــ خلال تواجدي في مصر وخلال قيادتي لسيارتي تعرضت لحادث أدى إلى انقلابها على أحد جانبيها وكعادة الشعب المصري خدوم ومتعاون تجمعوا حولي وقد خرجت منها سالما ولكن جاء أحدهم مباشرة بعد خروجي من السيارة ولم استوعب بعد ما حدث ليسألني «أنت سعودي ولا كويتي؟!».
* ما هي النصائح التي توجهها لإنسان للحفاظ على عينيه بشكل عام ولزارع القرنية بوجه خاص؟
ــ بالنسبة للأناس العاديين فنحن في الإمارات نظرا لطبيعة الجو وارتفاع الحرارة ونصيبنا في الشمس كبير فان نسبة الإصابة بالمياه البيضاء أسرع وأكثر عن غيرنا من الدول لذا لابد من حماية العين من الشمس بوضع النظارات الشمسية وخاصة تلك التي تحمي من الأشعة فوق البنفسجية،إضافة إلى وجود حالات تشكو من حساسية العين وضرورة الابتعاد الكامل عن مسببات الحساسية التي يذكرها الطبيب وعدم إهمالها فالحساسية منتشرة لدينا بكثرة فنحن من أكثر المناطق التي تنتشر بها الحساسيات والعلاج ليس مجرد قطرة بل الوقاية أهم من الأسباب التي يحددها الطبيب والحساسية تسبب أمراض في القرنية.
أما مريض زراعة القرنية فهم غير عارفين بأعراض رفض الجسم للقرنية وهي انخفاض في البصر واحمرار العين والتحسس من الإضاءة ولابد من مراجعة الطبيب بسرعة في حال وجود أي من هذه الأعراض.
لبنى أنور- تصوير: مجدي اسكندر


