عندما قال المؤرخ «هيرودوت» مقولته المشهورة: «مصر هبة النيل»، لم يكن مخطئا إلا أنه مع مرور الزمن صار لمصر نهران، أولهما، الذي يمدها بالعطاء والنماء ومن ثم الماء، وثانيهما، الذي يمدها بعدد لا حصر له من مقرئي القرآن الكريم ومنشدي الشعر الصوفي ومادحي الرسول ــ صلي الله عليه وسلم ــ وبالتالي مثلما يمكن القول بأنها مصر هي بلد النيل وهبته، فهي في ذات الوقت دولة التلاوة والإنشاد والابتهالات والتواشيح

ربما يكون ذلك مدعاة لكي تنصب السرادقات وتبنى المسارح في كل مناسبة دينية وخاصة ذكرى ميلاد النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مختلف مدن وقرى ونجوع مصر، لتقام الاحتفالات الدينية ومن ثم يولد مبتهل ومنشد جديد، وعلى حسب حظه من الدنيا يكون قدر معرفة الناس به وشهرته بين محبي هذا الفن، فكثيرا ما توجد الموهبة إلا أنه لأسباب أو لأخرى يظل المنشد أو المبتهل بعيداً عن أعين الإعلام فيظل حبيس الإقليم الذي يحيط به.

وخير نموذج لهذا الأمر الشيخ عبد العظيم العطواني منشد قصيدة البردة المعروفة؛ إحدى أشهر قصائد المديح النبوي، إن لم تكن أشهرها جميعا، تلك القصيدة التي بوأت لصاحبها شرف الدين البوصيري ــ بما حظيت به من مكانة لا تنافسها فيها سوى البردة الأم لكعب بن زهير إمامة فن المدائح النبوية، وقد اقترن العطواني بها، فصار لا يعرف إلا بها ولا ينشدها إلا هو، ولولا بعده عن وسائل الإعلام وإصراره على البقاء في صعيد مصر لكان من أشهر المنشدين.

مدراج العلم اسمه عبد العظيم أحمد سليم، وشهرته عبد العظيم العطواني؛ نسبة إلى قرية العطواني؛ وهي إحدى أشهر قرى مركز «إدفو» بمحافظة أسوان جنوب مصر، التي ولد فيها في السابع من فبراير عام 1946م، كانت بدايته في كتاب القرية حيث دفعه والده إليه ليحفظ كتاب الله عز وجل، ذلك الأمر الذي يعد أحد أهم مظاهر التمسك بالدين والعتبة الأولى والأساس نحو مدارج العلم المختلفة، فكانت الخطوة الأولى للشيخ عبد العظيم تعلم أحكام القرآن الكريم وحفظه كاملا مجودا في زمن قياسي.

ومن ثم لمس شيخ الكتاب إمكانياته، فدفعه إلى أن تكون الغاية والوسيلة هي كتاب الله وأحكام تجويده، وما استتبع ذلك من خطوات تمثلت في ترحاله للاستزادة من دراسته للقرآن حفظا وتجويدا وأحكاما، وكان الشيخ البطيخي الذي تعلم على يديه الشيخ محمد صديق المنشاوي أحد أبرز معلمي الشيخ العطواني في فترة صباه. وكعادة أهل صعيد مصر، معروف عنهم ذوقهم الراقي والرفيع في الاستماع إلى القرآن الكريم والابتهالات الدينية، هكذا كانت الموهبة الفطرية لدى العطواني في تواصله مع كل من يستمع إليه من قراء القرآن، الذي يتمكن من أفئدتهم بإجادته وتجويده.

وإعمال الأحكام بمهارة وحرفية يبرزها ما يملك القارئ والمنشد من ملكات صوتية تمكنه من الغوص في بحار القرآن العظيم بسهولة، ومن خلق هذا التواصل بينه وبين القارئ الجيد نوعا من الحميمية والصداقة؛ بحيث أصبح من الصعب أن يكون مجيدا إذا فقد هذا التواصل الروحي مع المتلقي، هذا إضافة إلى أن بيئة الجنوب التي يعيش فيها بما تحمله من هدوء واستقرار واطمئنان للنفس ومحبة وتعارف بين الناس، وهو ما يصعب أن تجده في مجتمع المدينة ويساعد على تنمية ملكات الاستماع والتذوق.

ومن هنا كانت الحميمية والتواصل بداية الارتباط الدائم بين المنشدين والجماهير؛ وهو ما وعاه الشيخ العطواني جيدا، والذي لم يضع نصب عينيه الشهرة والانتشار في بداية الأمر؛ بل اهتم بالارتباط العاطفي بجموع المستمعين من أبناء الجنوب، وعلى الرغم من امتلاكه موهبة فريدة وإمكانات صوتية؛

فإنه لم يسع إلى الانتقال للإذاعة والتلفزيون إلا مؤخرا؛ وفضل عليهما التواصل المباشر مع أحبابه من المستمعين في الجنوب؛ حتى إنه رفض أن يرتحل إلى القاهرة مركز الشهرة والدولة، وفضل أن يوفي بالتزامه مع أبناء قريته، واعتبر ذلك أقوى من أي عقود مكتوبة.

موعد مع العالمية

بعد أن وطد أقدامه عند محبيه وجمهوره، وذاع صيته في مصر كلها خاصة عندما أخذ ينشد بردة الإمام البوصيري ومن خلال إبداعه في الإنشاد بها، استطاع أن يشق الطريق إلى الإذاعة والتلفزيون، حيث تم اعتماده مبتهلا بهما دون اختبار بعد أن اجتاز اختبار الجماهير في محافظات الوجهين القبلي والبحري، ومن المحلية انتقل إلى العالمية، متغلبا بذلك علي حدود اللغة واللهجة وجغرافية المكان وابتعاد المسافات.

وبالبردة أيضا عرفه مواطنو الدول العربية والإسلامية والأجنبية، ورغم ذلك كله لم تكن الشهرة غايته أو وسيلته لما كان يريد، وإنما كان هدفه الأسمى على حد قوله هو التواصل مع الأحباب والمريدين بالكلمة الطيبة والسيرة العطرة، ولعل هذا ما جعل صفوة العلماء ورجال السياسة والحكم يتقربون إليه بالمودة وحسن المعاملة، بل إنه لم ينضم إلى نقابة قراء القرآن الكريم إلا بعد مؤخرا، عقب انقضاء فترة طويلة من ممارسة القراءة.

وكان ذلك منذ ما يقرب من ثلاثين عاما. حين يُسأل العطواني عن مثله الأعلى من قراء القرآن، يقول بلا تردد: «إن مثلي الأعلى هو القرآن ذاته؛ إذ ما من قارئ أجاد كتاب الله إلا كان ممن يحق لي الاستماع إليه، إنني أتعلم من الصغير قبل الكبير في شأن تلاوة القرآن، فالقرآن الكريم حديقة غنّاء تزخر بأطيب الثمار والفاكهة.

ولكلٍ مذاق وطعم، ولله الحمد فالجميع حلو المذاق، طيب الطعم، أدامهم الله وأكثر منهم». ترجع بداية تعارفه مع «نهج البردة»، حينما كان يتعلم في كتاب القرية، حيث كان من عادة شيخ الكتاب حين ينتهي من تعليم التلاميذ أن يختم لقاءه معهم بأنشودة دينية، وكانت قصيدة المديح النبوي للإمام البوصيري هي تلك الأنشودة التي يرددها التلاميذ كل مرة، فراقت كلماتها للشيخ الصغير وهو في صباه.

ولمست موسيقاها ثنايا أذنه، فحفظها عن ظهر قلب، وشجا بها بين التلاميذ دون أن يشعر، وذات مره سمعه شيخه، فقال له: «لقد تملكت منك البردة وتملكت منها، وعشقتها وعشقتك، وامتلأ بها قلبك فخرجت من صوتك، وكأنها لم تخرج من صوت أحد قبلك؛ فأنشدنا بها دائما»، ومنذ ذلك التاريخ صارت البردة ملازمة للعطواني مثلما صار هو معروفا بها، وأصبح لا يقرأ القرآن في احتفال إلا وأتبعه بقصيدة البردة تلبية لطلب السامعين؛ حتى إن بعض هذه الاحتفالات يخصص لسماع البردة فقط.

وبحسب ما نسب لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، أنه سمع ذات مرة العطواني يشدو بالبردة في تفرد ووجْدٍ، فقال له: «كأنما وضع البوصيري البردة لينشدها العطواني»، وهكذا تشيع بين جمهور هذا المنشد المبتهل وكل محبيه هذه المقولة الصادرة عن أحد أئمة ومجددي الإسلام في العصر الحديث، كذلك زار العطواني ذات مرة المملكة السعودية أثناء تواجد الشعراوي فيها، فالتقى به في مكة المكرمة، فقال له الإمام: «رأيت البوصيري يقبلك في جبهتك».