(سامي مكارم) فنان حروفي لبناني، والده الفنان الكبير الشيخ نسيب مكارم صاحب روائع الفن في الخط العربي.. درس الأدب العربي والفلسفة في الجامعة الأميركية ببيروت وتخرج عام 1945.. تابع دراسته العالية ونال درجة الدكتوراه في الفلسفة بموضوع الفكر الإسلامي ودراسات الشرق الأوسط من الولايات المتحدة الأميركية، وعاد بعدها ليرأس الدائرة العربية ولغات الشرق الأدنى في الجامعة الأميركية ببيروت،كما عمل أستاذاً للأدب العربي والإسلاميات في نفس الجامعة 1964.

له ما يربو على العشرين كتاباً في الفكر الإسلامي والأدب العربي والتاريخ والفن، وعدد من المقالات العلمية والدراسات في الحقول نفسها. حاز وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب تقديراً لإنجازاته العلميّة، إلى جانب اختصاصه الأكاديمي.. مارس الفن الحروفي فوضع مئات اللوحات المبنيّة على القدرات التشكيليّة المتميزة للحرف العربي، وقدمها للناس، عبر جملة من المعارض الفرديّة والجماعية، داخل لبنان وخارجه. يقول الفنان سامي مكارم إن فن الحرف العربي لا يختلف هذه الأيام عن بقية الفنون، وهذا الاختلاف كان موجوداً في الماضي، عندما كان هذا الفن مقصوراً على كتابة القرآن الكريم وكتابة النصوص الإسلامية المختلفة، كالأحاديث الشريفة، والشروحات، والتفاسير ذلك لأن الخطاط كان ينسخ النصوص بطريقة جميلة تكريماً لها، فكان جمال الخط في الماضي قائماً على تكريم وسيلة إظهار المعنى، ووسيلة لغاية أسمى تتجلى في النص المكتوب.

وتطور هذا الفن من جميل إلى أجمل في هذا المضمار، ولكن الخط العربي منذ القديم لم يقتصر فقط على نسخ النصوص الدينيّة، إذ سرعان ما تجاوز ذلك إلى النصوص الزمنية مثل النصوص السياسية، والنصوص التجارية، ونسخ الكتب التاريخيّة والفلسفية.. وغيرها.وقد استعمل العرب لكل موضوع نوعاً من الخط، فكانت الكتابات التجاريّة تكتب بطريقة مختلفة عن كتابة القرآن الكريم، وقد سميت بالكتابة الشرائية، وكذلك كان الأمر بالنسبة لباقي النصوص. وهكذا نرى أن الخط العربي تطور وتنوع وأصبحت له امكانة كبيرة في التاريخ العربي والإسلامي وتعددت مناحيه. ينظر الفنان مكارم اليوم إلى الخط العربي على أنه ليس فقط وسيلة لإظهار المعنى، وإنما يحمل في ذاته قوى متعددة، وإمكانات تتعدى كونه وسيلة، إلى كونه حالة جمالية تتبدى في حركة الحرف العربي الذي لم يعد يُكتب ليُقرأ بل ليشاهد.

على هذا الأساس يمكن الحديث عن جمالية عربية من خلال الحرف واللون والتراث. هناك شخصية جمالية عربية محددة لها خصائصها المختلفة عن جماليات الغرب، لذلك فهو ينظر إلى الخط العربي على أنه منطلق لإظهار هذه الشخصية، فالفن لا يُعبّر عن العقل فقط، إنما يتناول المشاعر والأحاسيس والأخيلة تماماً مثلما يستطيع أن يعكس صورة الماضي والحاضر ويحلم بالمستقبل.ويؤكد الفنان مكارم عدم إمكانية نفي العقلانيّة عن الحرف العربي، فهو يهتم إلى حد بعيد بصدق التعبير عن المعنى، والقراءة عملية عقلانيّة، وحين نتحدث عن الخط العربي في الماضي فإننا سنجد أن صفة العقلانية تلازمه.

ويضيف مشيراً إلى أننا اليوم نستطيع أن نقع على ملامح الحدس والعفوية في الخط العربي، على عكس الخطاط القديم الذي كان يُنزّه خطوطه عن الحالة التي هو فيها، أما بالنسبة له فإنه محب للأحرف ويشعر بأبوته نحوها، فكل الحروف أبناؤه، لهذا يكون قادراً على ترويض كل انحناءة مع كل تعابير الكلمة.

وهو يعتمد في إنجاز لوحته على ثلاثة عناصر هي: اللون، الحرف، والحركة، والحركات التقليدية للحروف لا تهمه إلا لخلق اللوحات. ويؤكد أن الفنان إجمالاً، يتأثر بالبيئة المحيطة به، اجتماعية كانت أو طبيعيّة أو غير ذلك، وبالنسبة له فقد أراد أن يكون هناك علاقة حميمة بينه وبين المحيط الذي يعيش فيه.

فالإنسان كائن اجتماعي والفنان كذلك وعندما يكتب هذا الفنان أو يرسم أو يعزف فإنه يُعبّر عن أفكاره وأحاسيسه، وفي نفس الوقت يُعبّر عن مجتمعه، فالعمل الفني هو نتاج تفاعل مع ذاته ومع مجتمعه، وبالتالي نتاج تفاعل الفنان مع تاريخه وحاضره ومستقبله، وفي هذا السياق يؤكد أن العمل الفني ليس مرآة زجاجية عن الحاضر ويتعدى تقسيم الإنسان إلى شعور وعقل وحس.

ويعتقد الفنان مكارم أن كليات معاهد الفن عموماً، لا تعلم الفن، وإنما التقنية. إذ بالإمكان أن نتعلم كيف نمزج الألوان، وكيف نرسم بالريشة، وكيف نُحضّر الورقة، لكننا لا يمكن أن نتعلم كيف نصبح فنانين، ويرى أن المعاهد الفنيّة العربية الحالية لا تُعلّم سوى الفن الغربي وتقنيات الغرب، وهو أمر ناتج عن نفسية الإنسان العربي اليوم الذي يرى أن كل (إفرنجي برنجي) وينظر إلى الغرب على أنه المثال.

وهذه واحدة من الأسباب التي دفعته إلى الاهتمام بالتراث العربي، غير أن ذلك لا يعني أنه يعادي العلم، وأنه لا يجب أن يستفيد من التقنية الغربية، بل المطلوب منا الإطلاع على كل شيء، فالحضارة في نهاية المطاف وليدة التفاعل، فهي تنطلق منك ولكنها تتفاعل مع غيرك.

بمعنى آخر: الحضارة لا تكون منطوية ومنعزلة، وهي حين تفعل ذلك تموت. أخيراً نشير إلى أن الفنان سامي مكارم يقرض الشعر أيضاً ولديه عدة دواوين مطبوعة يأخذ منها موضوعات لغالبية لوحاته الرافلة بالحركة والمتماهية بين الرسم والتصوير والحفر المطبوع.

د. محمود شاهين