وقفة أخرى تضاف للوقفتين السابقتين مع القرآن الكريم الذي يحلو الوقوف معه، وإذا كانت الوقفتان الفائتتان مع فاتحة الكتاب مع إشارة قصيرة إلى سورة «العلق» باعتبارها أول ما نزل من القرآن الكريم على ما اتفق عليه علماؤنا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لأوجه شبه بين السورتين، فكلتاهما تستهل بإشارات إلى منزل القرآن الكريم على نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه الرب ــ أي المربي والسيد والمالك والمصلح، فهذه سورة الفاتحة تبدأ بــ «الحمد لله رب العالمين».

وسورة العلق تبدأ بقول الله تعالى: «إقرأ باسم ربك الذي خلق» وإذا كانت سورة الفاتحة ــ كما ذكرنا سابقاً ــ سورة للتربية والبرمجة، فهذا شأن سورة «العلق» كذلك، فالسورة الكريمة عندما تحمل بداية الدعوة للقراءة.فليست القراءة مطلقاً وإنما باسم الرب، لابد لهذا القارئ المتعلم من أن يلتزم طريق ربه الذي خلقه من علقة ثم سواه إنساناً وهبه هذه الجوهرة الغالية.. العقل الذي به يصل إلى مرتقى التطور في حياته، وها نحن نرى هذا الإنسان من أطواره البدائية في بدايات هبوطه على الأرض يصل إلى هذا الرقي العلمي المدهش الكمبيوتر والفاكس والانترنت.

ويبلغ أجواء الفضاء ويصنع الأقمار التي يسخرها في مخترعاته العلمية، فما لم يكن هذا الإنسان على تربية أخلاقية ربانية، فسد وطغى وتجبر وحدثته نفسه الأمارة بالسوء أن ما بلغه من سمو علمي وفكري واقتصادي واجتماعي وثقافي إنما أوتيه بعلمه تماماً مثلما كان من أمر قارون، ونرى ماذا قال الشعر وهو ديوان العرب، في هذا الصدد قال: عند صنع القمر المصنوع ابن الأرض تاه

قال إن الكون أملك فيه موتاً أو حياة

ويح هذا التائه المغرور لو فقد المياه

جحد المسكين هذا الفضل يارب تكبر

أنت قد أوجدته ما كان شيئاً كيف يكفر

وهذا الجحود وهذا التنكر لفضل الله على هذا الإنسان ما تصوره لنا السورة الكريمة. قال تعالى: «كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى. إن إلى ربك الرجعى».

يذكر الخالق سبحانه وتعالى هذا الإنسان الذي يغتر بماله أو بعلمه أو بمكانته أو بقوته المادية «ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد. التي لم يخلق مثلها في البلاد. وثمود الذين جابوا الصخر بالواد. وفرعون ذي الاوتاد. الذين طغوا في البلاد».

سورة الفجر ــ الآيات 6 ــ 11. هذه صورة المفسدين في الأمم القديمة ساقها القرآن للذين طغوا من مشركي قريش وحاربوا محمداً صلى الله عليه وسلم ومن آمنوا معه برسالة الإسلام وعقيدة التوحيد، وقد استفتحت سورة العلق بالقراءة باسم الرب الذي خلق هذا الإنسان المتجبر، ومن أي شيء خلقه؟ من علق وما أدراك ما العلق؟!

يقول علماؤنا المفسرون إن «العلق» هو الدم المتجمد، ويضعنا الاستاذ محمد عادل القلقيلي أمام ملاحظة مهمة وهي أن الآية تقول: «من علق» بالتنكير، في إشارة إلى أن هذا الإنسان يخلق من شيء يشبه العلق المعروف في صفات مشتركة بينه وبين دودة العلق وهو في طور العلق في تكوين خلقه فما هي هذه الصفات المشتركة؟

يجيب الاستاذ القلقيلي بقوله: «هي أن دودة العلق إنما سميت بهذا الاسم لأنها تتعلق بجسم الإنسان ثم تمتص منه الدم لتتغذى به لأنها من الكائنات الطفيلية، والإنسان يتصف ــ وهو في مرحلة العلق ــ بنفس هاتين الصفتين الأساس فهو يتعلق بجدار الرحم ويمتص أو يتغذى من دم أمه، ذلك أنه في ذلك الطور من أطوار خلقه لا يملك أن يتغذى بنفسه. يا سبحان الله!

هذا المخلوق الذي يبدأ عاجزاً حتى من أن يغذي نفسه عندما يصير إنساناً سوياً ويحرز مالاً أو درجة علمية أو قوة سلاح يطغى ويتجبر ويتكبر ويستبد على أخيه الإنسان».

تحضرني واقعة رواها لي أحدهم قال: في إحدى المؤسسات العلمية كوكبة من الأساتذة ذوي الاختصاصات العلمية المختلفة وقد عينت لهم إدارة المؤسسة وسيلة نقل جماعي من وإلى العمل تقديراً لهم ــ على الرغم من أن كل واحد منهم يمتلك سيارة خاصة، وهذه الحافلة تسع مجموعتهم وزميلا لهم من موظفي المؤسسة العاديين، فكانوا يتأففون ويمتعضون من هذا المهين الذي لا يكاد يبين كيف يسمح له بمشاركتهم الأمتياز نفسه الذي منح لهم كعلماء.

وتشاء الظروف أن تتعطل الحافلة تلك لتحل محلها حافلة أصغر منها لا مكان فيها إلا للأساتذة العلماء. ولما كان ذلك المسكين الذي لا يملك سيارة تقله، طلب من مدير المؤسسة أن يجد له حلاً لمشكلته، وكان ذلك المدير من ذوي القلوب الرحيمة وعلى خلق ودين فطلب من السادة العلماء أن يتنازل أحدهم باستعمال سيارته الخاصة ولم يعين أحداً باسمه ولكن ترك لهم الحبل على الغارب ليتقدم من في قلبه إنسانية فيستجيب لذلك ولكنهم جميعاً رفضوا بل وأفصحوا عما كان في دخيلتهم تجاه ذلك الزميل الذي كان يشاركهم الحافلة على غير رضى منهم.

وهكذا هو الإنسان تغره نفسه فيتعالى على أخيه الإنسان، وصور هذا التعالي وهذا الغرور والتجبر والتكبر عديدة في زماننا هذا نراها كل يوم في شتى أشكالها وألوانها، وددت لو أجد صاحب سيارة فارهة يرى إنساناً يقف على قارعة الطريق يلهث من الحر الشديد وهو صائم ولا يجد وسيلة توصله إلى مقصده، يقف بسيارته ليدعو هذا المسكين متبرعاً بتوصيله إلى حيث يريد.

ولكن.. إذا ناقشتهم في هذا الصدد يقولون لك: وما يدريك لعله مجرم! إذا أخذته معي يؤذيني، هكذا! وإذا افترضنا أن هناك أصحاب قلوب رحيمة من مسؤولين وغيرهم فقد حجبت أصوات الاستغاثة عنهم جدر البطانات السيئة ولنا وقفات أخرى مع كتابنا الكريم إن شاء الله.