أنا الذي اعتمر في شهري عدلت عمرته حجة في الأجر والثواب. لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عمرة في رمضان تعدل حجة».

أنا الذي لا يعلم مقدار ثوابي وجزائي إلا فاطر الأرض والسماوات، لأني عبادة خفية بين العبد ومولاه، ولا يقع فيَّ الرياء كما يقع في غيري من الأعمال التعبدية التي اطلع عليه كثير من الناس، وأنا أحب العبادات إلى الله، وأنا أضافني إليه إضافة تشريف وتعظيم «الصيام لي وأنا أجزي به» لأن الصائم لم يعبد بي غير الله، بخلاف العبادات الأخرى.

فهذا ابن القيم رحمه الله ذكرني في كلامه القيم فقال عني: «هو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئاً وإنما يترك شهوته، وطعامه، وشرابه من أجل معبوده. فهو ترك محبوبات النفس، وتلذذاتها إيثاراً لمحبة الله ومرضاته، وهو سر بين العبد وربه ولا يطلع عليه سواه.

والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة. وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وتلك حقيقة الصوم.

وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحمايتها من التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها. فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد لها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (البقرة (183) « زاد المعاد 2/29».

فبادر إلى الخيرات قبل فواتها

وخالف مراد النفس قبل مماتها

ستبكي نفوس في القيامة حسرة

على فوت أوقات زمان حياتها

falahi19@yahoo.com ">">falahi19@yahoo.com