بخلاف كل الأطفال الذين عادة ما يمقتون المستشفيات وينفرون من رائحتها، كان هو لا يكره المستشفيات ولا يشعر بالنفور من رائحة الأدوية والمعقمات التي تطهر بها أرضيات غرفها وممراتها.
كانت زيارة مستشفى (الكويت) بمنطقة (البراحة) أو مستشفى (المكتوم) بالنسبة لأي طفل في مثل سنه في تلك المرحلة تعد معاناة يتمنى لو استطاع تجنبها حتى لو اشتد به المرض ولم يجد الأهل بداً من اللجوء إليها، أما هو فلم يشعر يوماً بشيء من هذا، ولم تكن زيارة المستشفى ـــ أي مستشفى ـــ بالنسبة له واجباً ثقيلاً يؤديه رغماً عنه أو مجبراً عليه.
ورغم صغر سنه الذي لم يؤهله بعد لدخول المدرسة فقد اختزنت ذاكرته صور وجوه وأسماء بعض العاملين في تلك المستشفيات في تلك المرحلة المبكرة من عمره وعمر الخدمات الطبية في بلده. وارتبطت تلك الوجوه والأسماء بهذه الأماكن حتى كادت تصبح من معالمها التي لا تنفصل عنها. كانت بعض الوجوه مألوفة بالنسبة له إلى الدرجة التي يشعر معها أنه قد رآها أو قابلها في زمن آخر غير الزمن الذي كان يعيشه، وفي أماكن أخرى غير الأماكن التي تعمل فيها.
وكانت بعض الأسماء مألوفة بالنسبة له كأنه قد عرفها في أماكن وأزمنة أخرى فاختزنتها الذاكرة لتصبح جزءا من رصيدها المتجدد، يوم أن كان رصيد الذاكرة عنده وعند الآخرين ثريا ومتقدا، لم يتراكم عليه غبار السنين ولم يتسلل الوهن إلى الذاكرة فتغدو عاجزة عن استحضار الكثير من الأشياء التي كانت ذات يوم وقود الحياة وسر جمالها ومبعث الفرح فيها.
هل كانت تلك تباشير تعلق مبكر بالطب تمهد لدراسته والانخراط في سلك العاملين فيه في تلك المرحلة المبكرة من العمر؟ ربما يكون هذا هو الانطباع الأول أو التوقع الأكثر احتمالا لدى كل من يقرأ هذه الحكاية، سواء وجدها غريبة أم اعتبرها حكاية عادية لا تستحق كل هذا الاهتمام ولا تستدعي الاستغراب.
لكن هذا كان بعيدا عن الواقع تماما، لأنه لم يفكر في أي مرحلة من مراحل العمر في دراسة هذا التخصص ولا الانخراط في سلك العاملين فيه، ولم يجد في نفسه استعدادا من أي نوع لارتداء المعطف الأبيض رغم تقديره لمن يرتديه وشعوره بالامتنان تجاه الأطباء وملائكة الرحمة العاملين في هذا المجال ولجوئه إليهم عندما يتطلب الأمر.
هل هي نبوءة مبكرة بأنه ستكون له مع المستشفيات والأطباء حكايات تنتظر أن تفرد لها في سجل العمر صفحات، وأن تحجز لها في دفاتر الأيام مساحات؟ هذا احتمال آخر ربما يجد له من الوجاهة ما يجعله مقبولا وهو يقلب دفاتر أيامه التي توالت بعد ذلك حاجزة للمستشفيات مساحات يصعب أن تُمحى من الذاكرة مهما غمرها من مياه مالحة تحيل الحديد إلى ذرات قبل أن تراكم عليه من الصدأ ما يفسده.
واليوم كلما مر صاحبنا من أمام واحد من تلك المستشفيات التي زارها صغيرا تذكر رائحتها، وعادت به الأيام إلى الوراء ليتذكر تلك الرائحة وتمر أمام عينيه تلك الوجوه التي لم يعد يعرف من بقي من أصحابها على قيد الحياة ومن رحل منهم. كل ما يعرفه الآن أنها شكلت ـــ ذات عمر بعيد مخزون في الذاكرة ـــ جانبا من صورة زمن يحاول أن يستعيده، فتنجح محاولته مرة وتفشل مرات، ولا يملك إلا أن يكرر المحاولة عله ينجح في استعادة ذلك الزمن أو العودة إليه، أو استحضار شيء من ملامحه التي لم يعد أحد يتذكرها في هذا الزمن.
