تظل القضايا والمشاكل المتعلقة بروتين الحياة اليومية للمسلمين في النمسا هي الأكثر استقطاباً لاهتمامهم والأكثر إثارة للأسئلة وعلامات الاستفهام التي تقتضي ردوداً وإجابات واضحة، تكفل الحسم السريع والمبكر لهذه القضايا والمشاكل.
وكما سبقت الإشارة فإن الذبح وفق الشريعة الإسلامية هو المسألة التي تطفو على سطح الذاكرة في هذا المجال، على الفور تقريباً، ولكنها تكاد تكون حسمت من وجهين:* الوجه الأول قانون حقوق الحيوانات الجديد في النمسا الذي بدأ العمل به ابتداء من الأول من يناير 2005 والذي يسري على النمسا بكاملها، خلافاً للوضع في السابق، حيث كان هذا الجانب منظماً في بعض مناطق النمسا دون غيرها. ويقضي القانون بتخدير الحيوانات بعد فتح شرايينها أي بعد بدء عملية الذبح.* الوجه الثاني أن فقهاء المذهب الحنفي يجيزون أكل المسلمين لحوم الحيوانات التي ذبحها أهل الكتاب.
وتمتد هذه القضايا والمشاكل إلى مسألة وضع الحجاب في المدارس بصفة خاصة، والقاعدة الأساسية هنا في النمسا هي الحرية الدينية التي يكفلها الدستور النمساوي، وبمقتضى هذه القاعدة فإن الفتيات والنساء المسلمات اللواتي يعربن عن إصرارهن على الالتزام بالحجاب يمنحهن القانون النمساوي الحق في الدخول إلى الفصول الدراسية من دون قيود.
مسلسل المشاكل لا تنتهي المشاكل والقضايا المتعلقة بالحياة اليومية للجالية الإسلامية في النمسا عند هذين الجانبين فقط، وإنما هناك جوانب أخرى عديدة جديرة بالاهتمام.
أبرز هذه الجوانب هو ما يتعلق بتعدد الزوجات، حيث أثارت الضوابط على هذا التعدد الكثير من التساؤلات في تاريخ الجالية الإسلامية في النمسا، ومع ذلك فقد أوضح التدقيق في هذا الجانب من قبل سلطة الشؤون التعليمية والثقافية توافقاً مع الضوابط النمساوية من جانب أبناء الجالية الإسلامية.هناك أيضاً مسألة الإعفاءات والاستثناءات لأداء الواجبات الدينية من جانب أبناء الطائفة الإسلامية في النمسا، والمثال البارز هنا هو أداء صلاة الجمعة وكذلك بالنسبة لعيدي الفطر والأضحى.
والحقيقة الأساسية في هذا المجال هي أن القانون النمساوي لا يقدم أي ضوابط أو لوائح خاصة في هذا الصدد. وبالتالي فإن أداء الواجبات الدينية لا يمكن القيام به في وقت العمل إلا بالتوافق بين العامل ورب العمل.
غير أنه فيما يتعلق بالمدارس نجد أن مبادرة قامت بها الجماعة الإسلامية في النمسا قد أسفرت عن اتفاق على أن يتم إبلاغ مفتشي المدارس سنوياً بموعد حلول عيدي المسلمين، وبالتالي يسمح للتلاميذ المسلمين بالتغيب عن الدراسة بصورة رسمية في أيام هذين العيدين.
وهناك أيضاً قواعد قانونية تتعلق بالتعليم الديني للأطفال بما في ذلك تعليمهم كل ما يتعلق بالإسلام، وكذلك قواعد تتعلق بتجنيد المسلمين لأداء الخدمة العسكرية في النمسا، وهي تتناول الجوانب الخاص بالأطعمة الحلال ومن يعملون في الجوانب الدينية في إطار هذه الخدمة.
قضية المقابر
تعد قضية مقابر المسلمين في النمسا من المسائل التي تخضع لقدر كبير من التنظيم، وعلى سبيل المثال فإن الترتيبات الخاصة بالجنازات مثل غسل الميت من قبل إمام أو من قبل أحد الأقارب يسير وفق قواعد محددة معمول بها، والمقابر ينبغي أن تكون جميعها موجهة شطر أم القرى، مكة المكرمة.
وتتم تلبية احتياجات الجالية الإسلامية في هذا الصدد عبر المقبرة الإسلامية الموجودة في مقبرة فيينا المركزية المعروفة بالاسم زينترا فريدون، والتي لا تلبي بصورة كاملة الطاقة الاستيعابية لاحتياجات الجالية الإسلامية، ومن هنا تبرز أهمية موقع المقبرة الجديدة في منطقة ليزنج في فيينا.
رؤية عامة
من كل هذه التفاصيل يمكننا الخروج برؤية عامة لحياة المسلمين في النمسا، أبرز ملامحها أن الإسلام دين يحظى بالاعتراف القانوني في النمسا بكل ما يترتب على ذلك من حقوق وامتياز، حيث تحظى الجالية الإسلامية بتمثيل قانوني معترف به لدى الدولة.
هكذا يمكننا الحديث عن مسيرة ناجحة لمساواة المسلمين بالجاليات المعترف بها قانوناً، وهي مسيرة قد يميل البعض إلى النظر إليها باعتبارها أمراً مسلماً به، لكنها في السياق الأوروبي تشمل قدراً ليس باليسير من الجهد والعمل والتضحيات، وبصفة خاصة أخذا في الاعتبار أن معظم أبناء الجالية قد جاءوا إلى النمسا عبر حركة هجرة لقوى العمل من تركيا والبلقان.غير أنه لا بد من ملاحظة أنه ليست كل المشاكل المصاحبة للهجرة والاندماج والاتصال بين الجاليات المختلفة يمكن حلها بسهولة، ولكن من الواضح أن الوضع في النمسا يوفر مزايا وفرصاً لا يستهان بها للجانبين.
ولدى الدولة النمساوية والجالية المسلمة أساس واضح للحوار بينهما، ويصعب أن يتحول عدد من القضايا إلى قضايا سياسية أو قضايا مثيرة للجدل لأن معظم هذه القضايا يتم تحديد جوانبها وفقاً للدستور.ذلك لا يمنع، بالطبع، وجود تحديات مستقبلية، أبرزها تحسين اندماج المسلمين في إطار البنى والهياكل القائمة للجالية الإسلامية وكذلك للحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية في النمسا بشكل عام.
وهناك مسألة على جانب كبير من الأهمية وهي المتعلقة بكيفية تكريس الإسلام لنفسه في غربي أوروبا، حيث يدور الحديث عن بلورة «إسلام أوروبي»، بمعنى الإسلام في روحه الصافية في غمار توافق أبنائه مع الظروف السائدة في الاتحاد الأوروبي.ويعتقد الكثير من الباحثين أنه ينبغي إعطاء قدر كبير من الاهتمام للتعدد واسع النطاق لهويات الناس ذوي الاتجاهات الدينية والعلمانية القادمين إلى أوروبا من دول إسلامية.
كامل يوسف حسين


