أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب.

وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.

هوفركرافت يترجمونها أحيانا باسم «الحوّامة» بمعنى أنها آلة أو مَركبة تعمل وتخدم بأسلوب بين – بين كما قد نقول، فلا هي تحلق مثل الطائرة التي نعرفها في أجواء الفضاء ولا هي تسير أو تدرج أو تزحف فوق سطح الثرى شأن القطار أو السيارة وما في حكمهما، حيث تصدق عليها العبارة التي يحفظها كل تلاميذ المدارس في وصف المركبة السريعة بأنها كانت «تنهب الأرض نهبا».

فكرة هذه المركبة تدور حول تحويمها على ارتفاعات منخفضة نسبيا فوق مختلف سطوح الأشياء وقد بدأت تراود العديد من العلماء والمهندسين الذين كانوا يحلمون بالتوصل إلى مركبة برمائية يجري تصميمها وتشغيلها بحيث تسافر فوق أي سطح ناعم وممهد سواء من الماء أو اليابسة مستندة في تحويمها أو في طيرانها المنخفض إلى وسادة هي عبارة عن هواء مضغوط بطيء الحركة ينبعث إلى أسفل ضد اتجاه السطح الذي ينبسط تحت جسم المركبة.

منذ سبعينات القرن التاسع عشر والفكرة تغازل خواطر المخترعين.. كان في مقدمتهم المهندس الإنجليزي سير جون ثورذكروفت وينتمي إلى عائلة إنجليزية ارتبط اسمها فيما بعد بأول جيل من باصات الركوب شهدتها شوارع القاهرة منذ العقود الأولى من القرن العشرين وعرفها عامة إخوتنا المصريين باسم سانت كروفت من باب تيسير النطق ليس إلا.

والمهم أن فكرة السير ثورذكروفت – سانت كروفت لم تصل يوما إلى حيز التطبيق الذي بلغته فكرة المهندس الفنلندي توفوكاريو الذي صمم وجرّب مركبته التي أطلقوا عليها اسم بنتالتايا ومعناها في الفنلندية مركبة الانزلاق السطحي. ورغم أن كاريو سجل اختراعه في عام 1931 إلا أن نقص التمويل وقف به عند حدود التجريب ليخلي السبيل في منتصف الثلاثينات لجاره المهندس السوفييتي فلاديمير ليفكون الذي توصل إلى مركبة من هذا النوع وصلت سرعتها بعد تجريب نماذج عدة إلى 70 عقدة أو 130 كيلومترا في الساعة.

وسار على نفس النهج جندي الاحتياط في البحرية الأميركية تشارلي فلتشر الذي جرب اختراعه في محل إقامته بولاية نيوجيرسي ولكنه دفع ثمن نبوغه إذ كان التجريب وقت الحرب العالمية الثانية في عقد الأربعينات وعندما علمت حكومة واشنطون بالاختراع سارعت إلى الاستيلاء عليه واعتباره من أسرار الدولة العليا. وربما كان هذا من حسن حظ المخترع البريطاني كريستوفر كوكريل الذي عمد منذ عام 1952 إلى تطوير الهوفركرافت ولاسيما من خلال تحسين وسادة الهواء التي تستند إليها المركبة الحوامة.

ورغم أن سلطات لندن حرصت بدورها على إبقاء الاختراع قيد السرية، إلا أنها عمدت في سنة 1958 إلى شراء التصميم الذي وضعه المهندس كوكريل ودفعت لقاء حقوق الملكية الفكرية مبلغ 1000 جنيه إسترليني فقط لا غير وعندما نجحت تجربة تسفير أول مركبة هوفركرافت من هذا النوع لتعبر القنال الإنجليزي بين انجلترا وفرنسا كافأت الملكة صاحب الاختراع برتبة فارس الشهيرة حيث أصبح السير كريستوفر كوكريل وكان ذلك في عام 1969. وبالمناسبة كان هو الذي استبعد أوصاف مركبة التحويم أو سفينة الحركة فوق الهواء أو آلة الانزلاق السطحي الى آخر هذه التعابير المربكة..

ومن ثم فقد أدخل إلى القاموس المعاصر مصطلح «الهوفركرافت» الذي طالما عقدت الدوائر المعنية عليه آمالا عريضة، منها مثلا التوصل إلى هوفركرافت عملاق يسع مئات المسافرين ويعبر المحيط من الشاطئ الغربي لأوروبا إلى السواحل الشرقية للولايات المتحدة الأميركية. ولكن قدرات المركبة الجديدة لم تسعفها لكي تحقق هذا الحلم المأمول وقصاراها أن تقطع مسافات أصغر وعبر مسارات أكثر أمنا وابتعادا عن مفاجآت الحوادث.. وأن تحمل أعدادا أقل من المسافرين وأن تصلح لأداء مهام أقل تعقيدا.

والحاصل أن جاء عام 1966 ليشهد افتتاح خدمات الهوفركرافت لعبور بحر المانش بين فرنسا وانجلترا.. ومنذ عقد الستينات ظلوا يستخدمون خدمات هذه المركبة الهوائية الوسائد للتنقل بين مواقع شتى في الجزر البريطانية. وفي نفس العقد الستيني كانت مركبات الهوفركرافت تستخدم لنقل السياح في جنوبي مصر بين مدينة أسوان ومواقع مشروع السد العالي وبين آثار أبوسمبل الواقعة إلى أقصى الجنوب.

وبديهي أن الهوفركرافت كان يبسط وسادته الهوائية كي تيسر له أمر الانزلاق بنعومة وسلاسة فوق سطح مياه النيل. وفي عام 1998 بدأت دائرة بريد الولايات المتحدة في استخدام مركبات الهوفركرافت البريطانية الصنع لنقل البريد والسلع والمسافرين من مدينة بيثل في ولاية ألاسكا القطبية الشمالية إلى 8 قرى صغيرة على طول نهر كوسكوفيم.

ولما كانت المدينة المذكورة تقع على مسافة بعيدة للغاية عن شبكة الطرق الرئيسية في ألاسكا فقد ثبت بذلك الأهمية الفائقة لاستخدام الهوفركرافت بدلا من سبل النقل الجوي العادية حيث لا يتطلب مطارات ولا تعقيدات في مراقبة الحركة على نحو ما تقتضيه الطائرات المعتادة. وربما كانت المشكلة الوحيدة في تلك الأصقاع القطبية المتجمدة هي ذروة فصل الشتاء حين تبدأ مياه النهر في التجمد وبالتالي يكتسب سطحه وعورة.. ثلجية كما قد نقول.. مما يوقف حركة الهوفركرافت على مدار بضعة أسابيع.

وفي كل حال.. فلم تنتشر خدمة الهوفركرافت على نحو ما كان يأمل المعنيون. ومن أسباب عدم الانتشار ارتفاع أسعار البترول. ومع ذلك فلا تزال فنلندا تستخدم هذه الوسيلة على نطاق واسع وربما كان ذلك من باب الوفاء لمواطنها النابغة كاريو الذي كان رائدا في هذا المجال منذ ثلاثينات القرن العشرين.

وربما وجدت هلسنكي أن الهوفركرافت أجدى من حيث سرعة الحركة وعمليات الهبوط وخاصة في حالات الإنقاذ البحري أو النهري وأيضا خلال مواسم حلول كوارث الفيضان.. الطيني الذي يصيب أصقاع فنلندا بانهيالات الكتل الطينية السميكة والخطيرة وتسمى عندهم باسم «راسبوتتسا». ومن ناحيتها استخدمت شركة الطيران الاسكندينافية الهوفركرافت في رحلات مكوكية منتظمة لنقل ركابها من وإلى مطارات الدانمارك والسويد.

أما استخدامات الهوفركرافت في المجال العسكري فأحدث ما طرأ عليه هو اقتناء البحرية الملكية البريطانية عددا من تلك المركبات التي تستخدم في إنجاز العمليات الميدانية.. وآخرها ما تم إرساله ونشره في أرض العراق.

من ناحية أخرى يبدو أن المخترع البريطاني كوكريل لم يقنع بلقب سير الذي لا يؤكل عيشا كما رآه وخاصة عندما تابع نقل اختراعه الأثير حتى يستخدمه الجيش الأميركي دون أن ينال المخترع شروي نقير. بعدها رفع قضية أمام المحاكم مطالبا بتعويض عن حق الملكية الفكرية لتكنولوجيا الهوفركرافت وانتهت القضية بحصول الرجل على تعويض بمبلغ 6 ملايين دولار.. ثم انتهت حياته شخصيا بوفاته في آخر سنة من روزنامة القرن العشرين.

الفورمايكا

في عام 1907.. تخرج الشابان هربرت فابر وزميله دانييل أوكونور حديثا من الكلية الجامعية. ومثل أي خريج مستجد.. جلس كل منهما يحكي عن أحلام العمل مقرونة بأحلام الإنجاز ولا يأس أيضا من اختلاط هذا كله بأحلام الثراء.. توصل الزميلان إلى خلاصة غريبة بالغة الطموح تقول:ـ حبذا لو اخترعنا (أو اكتشفنا) مادة جديدة تتغير من خلالها حياة الناس.

في أيام العطلات كانا يناقشان المايكا أو الميكة.. وهي مادة شبه زجاجية يجري استخدامها كعازل لتيار الكهرباء بعد أن يتم شطرها أو تقسيمها إلى شرائح رقيقة بالغة الصلابة.

وكان النقاش يتوقف عند ارتفاع سعر المايكا في ضوء أهمية استخدامها وخاصة في عمليات العزل الكهربائي في السيارات وأجهزة الراديو البدائية التي كانت مستجدة للغاية في حياة الأميركيين. لهذا كان طموح الشابين إلى مادة بديلة.. أرخص سعرا وأيسر استخداما وأقرب منالا لدرجة أن تصبح في متناول ربات البيوت من كل الفئات والطبقات.

وسط هذه الظروف ولدت مادة «الفورمايكا» وقد اشتقوا اسمها من عبارة «بديل المايكا» وقصدوا إلى استخدامها في عملية التغليف أو التصفيح المعدني باعتبارها مادة مؤلفة من طبقات رقيقة وتستخدم في تكوينها مواد ورقية مشبعة بحامض الفينوليك ومزودة برقائق صلب وإن كان هذا الخليط يمكن أي يبسطوه على سطوح الخشب الذي تصنع منه الموائد والطاولات وقطع الأثاث المستخدمة في المطابخ والمطاعم وغرفات البيوت.

وفي سنة 1913 تم اختراع الفورمايكا – مادة ذات أصل بلاستيكي بدأت سوداء أو بنية مائلة إلى السمرة وبعدها استطاع المخترعان فابر وأوكونور أن يضفيا عليها معظم الألوان الأخرى وأن يثبتا للمستهلك العادي كيف أنها مادة جديدة تتيح سهولة التنظيف وإمكانية الصيانة دون تآكل، بل تظل مصقولة لامعة وقابلة للاقتران بمعادن لامعة أخرى مثل الكروم والألمنيوم.

وهذا هو بالضبط السبب الذي دفع المصممين إلى استخدامها مع هذين المعدنين في بناء قاعة العروض الموسيقية الشهيرة في نيويورك التي لا تزال تحمل اسم «راديو سيتي». وزاد الأمر أهمية بعد أن دخلت إلى السوق مادة بللورات الميلامين البيضاء.. فكان أن أضافوها إلى تركيبة الفورمايكا مما جعلها أشد صلابة من ناحية وأقدر على مقاومة تأثير المياه من ناحية أخرى.

محمد الخولي