* «يا أيها الذين آمنوا» «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» (البقرة 183)

يعلم الله سبحانه وتعالى ما في الصيام من مشقة التكليف على النفس البشرية لذا مهّد له سبحانه بما فيه العون واستجاشة الأحاسيس ودفع العزائم لتنهض به بالنداء المحبب إلى نفس كل مؤمن.. المذكِّر له وللمؤمنين بانصياعهم لله وترسّخ الإيمان في سويداء قلوبهم، ثم أقر فرضية الصيام فقال: «كما كتب على الذين من قبلكم» فقرر أنه فُرض على من كان قبلنا من الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدنا‏.‏

ثم قال المولى جل وعلا في نهاية الآية الكريمة:«لعلكم تتقون» موضحاً أن الغاية الأولى من الصيام هي إعداد القلوب المؤمنة للتقوى والخشية من الله، تلك التقوى التي تقي العبد غضب الله، بلزوم طاعته واجتناب معاصيه. فالصيام الحقيقي تستيقظ فيه القلوب مذعنة لرب العباد مؤثرة رضاه على من سواه لما تحقق فيها من التقوى التي هي بمثابة العين الساهرة والحارس اليقظ من فساد النفوس بالمعصية، فهي إذن غاية تتطلع إليها الأرواح وتهفو لها النفوس، والصوم أداة من أدوات تحقيقها وسبيل موصل إليها.

ومن ثم كان من آثاره الإيمانية حساسية في الضمير وحذر لا ينتهي وتوقٍ لأشواك طريق الحياة التي تتناثر فيه أشواك الشهوات ومستنقعات الآثام والفتن، ذلك لأن امتلاء البطن بالطعام والشراب من أهم البواعث على الفحشاء والمنكر ومن المسلم به أن الجائع العطشان لا تؤثر فيه الشهوة تأثيرها في الممتلئ ومن ثم قال إبراهيم بن أدهم عليماً بفضل الجوع والصيام على القلب: «الجوع يُرِق القلب» وسار محمد بن الفضل البلخي على دربه وسلك مسلكه في التربية فقال: «الدنيا بطنك!! فبقدر زهدك في بطنك زهدك في الدنيا» ولهذا كله كان الصوم جُنة (وقاية) من النار.

فالصوم له مفعول سحري في الارتقاء بالروح والنفس والتحليق بها عالياً في العالم العلوي الراقي السامي والانطلاق بها عن القيود الأرضية السفلية وما أجمل روشتة طبيب القلوب والعالم الرباني وخبير علاج أمراض القلوب ابن القيم حين يصف دواء الصوم لمرضى القلوب ولمن أراد الارتقاء بقلبه وروحه من الأصحاء التي قال فيها: «خُلق بدن آدم من الأرض وروحه من ملكوت السماء، وقُرِن بينهما، فإذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه في الخدمة وجَدَت روحه خفة وراحة، فتاقت إلى الموضع الذي خُلقت منه واشتاقت إلى عالمها العلوي.

وإذا أشبعه ونعَّمه ونوَّمه واشتغل بخدمته وراحته وأخلد البدن إلى الموضع الذي خُلق منه، فانجذبت الروح معه، فصارت في السجن، فلولا أنها ألفت السجن لاستغاثت من ألم مفارقتها وانقطاعها عن عالمها الذي خُلقت منه كما يستغيث المعذَّب» .

وفضل الصوم عظيم, وثوابه جسيم, فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله مُرْني بعمل. قال: «عليك بالصوم فإنه لا عَدْل له».