ليس غريباً أن تجد شاعراً لم يتزوّج أو تزوج ولم يرزق بأطفال، أن تجد في شعره وقفات عند الطفولة والأطفال، وعند مشاعر الأبوة الصحيحة، القوية فهي حين تصدر إنما تخرج من الملامح الإنسانية المودعة في قلب الإنسان ووجدانه والفطرة التي فُطِر الإنسان عليها.

* صديق صغير... والعقاد شاعرٌ،لم يتزوج، ولكن دواوينه تعتني بهذا الجانب في مناسبات تعرض، ومواقف تمر، وهو من الشعراء المتقنين لمثل هذا النمط من الشعر لأنه يعبر عن الوجدان، وينبع من المعايشة الحياتية مع الناس.وفي شعر العقاد قصائد وقطع عن الطفل أو موجهة إليه، لا ينقصه أي عنصر من عناصر العاطفة، والاهتمام والانغماس في عالم الطفولة الواسع.وهذه قصيدة يخاطب بها ولداً لأحد أصدقائه في شهره الثامن عشر، فهو إذن ابن سنة ونصف السنة من العمر.

يا صاحبي يا أَصغر الـ / أصحاب في سنٍّ وقَدِّ

يا شاغلاً من حيّز الـ / آمال والأحلام عِندي

ما ليس يشغله كبار الـ / قوم في قربٍ وَبعدِ

أنا عالمٌ أنْ لست تهـ / ــوى صُحبتي إلا لقصدِ

إلا لحلوى في يدي / أو لعبةٍ أو هزّ مَهْدِ

أو صفحةٍ تعدُو إلى / تمزيقها كالمُستعدّ

والكلام يجري في وصف طفولة هذا الولد بين الجدّ والمداعبة، ولكن في الكلام ملامح من الرواية النفسيّة لحركات الصغير، وتصرّفاته، وردة فعله واستجاباته.

ــــ واستمرّ العقاد في الكلام على الطفل، والكلام معه:

أنا عالم ما فيك بين / مكر ونسيانٍ لعهدِ

لكنّ أوفى الأوفيا / ءِ وأين هم في كل عهد؟

لا يبلغون مداك في / شوقي وإيثاري وحمدي

وقبول ما تقضيه من / عطف ومن تيه وصَدّ

وطويل حقدٍ لا يطول / هنيهةً وقصير حقدِ

وعناء رأيٍ لا يليــ / نُ ولا يكفّ عن التحدّي

وتغاضٍ يجدي إذا / كان التوسّل ليس يجدي!

فهذه الأوصاف هي ملاحظات مباشرة بعضها ظاهر، وبعضها الآخر ملاحظات جاءت من التنبّه إلى نفسية الطفل، ومعرفة بتلوّن عاطفته ومزاجه.

ولهذا قال بعد ذلك:

أنا عالمٌ هذا وذا / ك وبالغٌ في العلم جهدي

لكن أراك سحرتني / فإذا بعلمي زادَ وُدّي

وختم العقاد بالدّعاء للطفل (موفق) وارتقاب أن يكون في مستقبل الأيام رجلاً

تقرّ به عيون والديه:

عش يا موفق دائم التو / فيق مقروناً بسعدِ

مستمتعاً بحنان أُمٍّ / بَرّهِ وأبٍ وجَدِّ

حتى نراك تشق مضما / ر الدّهاء بغير ندّ!

_ يدعو له أَن يغلب بذكائه أقرانه وزملائه

ـ وفي شعر العقاد قصيدة لطيفة غريبة الفكرة تحت عنوان (نداء الطفل) أرسلها إلى عروسين، تصوّر فيها كلامُ الطفل الموعود يخاطب والديه، في رؤية من العقاد شعرية لم يسبقه أحدٌ إليها، وفيها:

سرى إلى الآذانِ / في غَفُوةِ الوَسْنانِ

نداُ طفل جريء / مستعجل لهفانِ

عجبتُ منه صغيراً / يقولُ طَلْقَ اللسانِ

أبي كريمٌ وأمي / كريمةٌ في الحِسَانِ

كلاهما يتمنّى / بين الصغار مكاني

فالعقاد ينظر من خلال العواطف الإنسانية السامية، ومن نواميس الله في كونه، في سرّ وجود الإنسان على الأرض واستخلافه فيها جيلاً بعد جيل. ثم قال من وراء هذا الملمح:

فلي أحقّ رجاءٍ / في عالم الإنسان

وفي ولادة يُمْنٍ / تزفّ بالمهرجان

وفي احتفال نجاحٍ / يجوز كلّ امتحانِ

ـــــ ومن وصف بعض جوانب الطفولة في القصيدة:

الطفل غيرُ صبور / على الحِجَا والبيان

والطفل هيهات يدري / يوماً بحكم الزمان!

أ.د محمد رضوان الداية