«.. تعلمت من كل البلدان، شربت من ماء كل الأنهر، أكلت من فاكهة وخبز كثير من البلدان، التقيت أصدقاء ونساء عزيزات، يعني أشياء كثيرة وجميلة كلها. كنت أتجنب الرداءة والإهانة التي يضع بها الناس أنفسهم. مثلاً أنا شخصياً لم أقف على أبواب الحكام، ولم أطرقها على الإطلاق. عشت مثل حياة المتصوف ولست متصوفاً، ولكنني أعيش حياة متصوف زاهد بأمور كثيرة، باستثناء الأشياء التي أحبها..».

بهذه الكلمات التي أفضى بها في أحد أواخر أحاديثه الصحافية، يعطينا الشاعر الكبير «عبدالوهاب البياتي» ما نريد: أنه مثال جلي، بل من أجلى الأمثلة لما نصفهم أو نسميهم: «أدباء بلا حدود».في عام 1926، جادت أرض العراق الخصيبة بنخبة من الشعراء قدر لهم أن يصيروا من أبرز رواد الشعر الحديث في العراق وفي الوطن العربي كله. كان منهم «بدر شاكر السياب»، «وبلند الحيدرى». وكان منهم شاعرنا الذي صار أجلى أمثلة «الأدباء بلا حدود»، «عبدالوهاب البياتي».في ريف العراق ولد «البياتي»، ثم انتقل في الصبا إلى «بغداد» حيث عاش في حي «باب الشيخ» الشعبي الفقير، وفي جوار وأجواء ضريح الشيخ «عبدالقادر الجيلاني»، العامرة بفرق المتصوفة. ولعل تلك النشأة كانت من أسباب اتجاهه الواقعي المعبر عن الفقراء الكادحين، ومن منابع النفس الصوفي الذي سرى في شعره وتجلى في أواخر عمره.

ومثل رفيق مولده «السياب»، وسابقته بثلاث سنوات «نازك الملائكة»، التحق «البياتي» «بدار المعلمين العالية» ـــ أسخى منابع نهر الإبداع الأدبي العراقي الحديث ـــ حيث تخرج في قسم اللغة العربية وآدابها، سنة 1950.في فترة الدراسة بزغت مواهبه الأدبية والشعرية، التي توجت بإصدار مجموعته الشعرية الأولى «ملائكة وشياطين» عام 1950، وفيها ـــ كما في كل أشعار الصبا ومطلع الشباب ـــ شدو بديع حزين، وأشواق متأججة، وحرمان مضن، ومدار ذلك كله: الحب..

بغداد، هذي دمعتي في الهوى

وما دموعي غير أشعاريه

ذوبت فيها ذكرياتي التي

كانت بليل الحب مصباحيه

وأمنيات غضة لم تزل

أنفاسها في عزلتي ذاكية

بغداد، إني ظامئ للهوى

فعطري بالحب أجوائيه

لكن «بغداد» لم تشف غليله ولم ترو ظمأه ولم تعطر بالحب أجواءه، فالمدينة ـــ «بغداد» وغيرها من المدن ـــ في نظر «البياتي» وفي وجدانه: «مدينة مزيفة».. أشبه ببهلوان أو مهرج يلصق في ملابسه كل لون أو أي قطعة يصادفها.. ومن هنا كانت الثورة على المدينة رفضاً لشكلها القائم..».

لكن واقع «بغداد» والعراق المرير، تحت نير السيطرة الاستعمارية، وبطش العملاء المستبدين واستغلالهم، وتحت وطأة الفقر والفقر، فتح عينيه وهدى خطاه إلى طريق النضال مع جموع الشعب، من أجل الحرية والعدالة والتقدم، فدفع ـــ مثل الجميع ـــ ضريبة النضال اضطهادا وملاحقة واعتقالاً وتعذيباً، وفصل من عمله بالتدريس.

ولم ينج إلا بالسفر والارتحال إلى «دمشق» ثم «بيروت»، ثم حط رحاله في «القاهرة» التي احتضنته بحنو، وفسحت له مجالات العمل محرراً في جريدة «الجمهورية»، وفي أجوائها أبدع روائع أعماله، وتوثقت عرى الصداقة بينه وبين أعلام الفكر والأدب في مصر والوطن العربي، وصار فيها كأحد معالمها الثقافية.

وهو في ذلك يقول: «.. وأستطيع أن أقول: إن مدينة «القاهرة» التي عشت فيها مدة عشر سنوات من أجمل مدن العالم بعد بغداد حيث استطعت فيها أن أبدع وأن أكتب أحسن أعمالي الشعرية، وأذكر منها على سبيل المثال: «سفر الفقر والثورة»، و«الذي يأتي ولا يأتي»، و«الموت في الحياة»، و«الكتابة على الطين»، و«قصائد حب على بوابات العالم السبع». كما أني فيها كتبت كتابي «تجربتي الشعرية». إضافة إلى أنني استطعت من خلال إقامتي في القاهرة إقامة علاقات عظيمة وعميقة مع نخبة مع الاخوة الأدباء في القاهرة..».

وكما شد الواقع المرير في «بغداد» خطاه إلى صفوف المناضلين، شد أدبه وإبداعه إلى أرض «الواقعية»، فصدر له عام 1954 ديوانه «أباريق مهشمة»، الذي كرس به أيضاً تيار التجديد في الشعر العربي الحديث، مع رفيق عمره «السياب»، وسابقته الرائدة «نازك الملائكة».

بترحله عن «بغداد»، انهارت أمام عينيه وفي وجدانه كل الحدود بين البلدان، وبدأت رحلة طويلة ممتدة على مدى عمره بين محطات ومدن لا تحصى في جهات الدنيا الأربع. وفي كل مدينة يزرع ويجني أجمل زهور الصداقة، ولعلنا لا نجد في دواوين الشعر العربي ديواناً زاخراً بأسماء المدن والمعالم والشخصيات مثل ديوان البياتي، وندر أن تفتقد فيه اسم مدينة مناضلة، أو شاعر مناضل، أو شهيد من شهداء الحرية في الشرق أو في الغرب. لقد انمحت الحدود عند البياتي، وتألقت الوحدة الإنسانية، أمكنة وبشرا وثقافات بلا حدود.

ومثلما أعطاه هذا الترحال الطويل كنوزاً من المعارف والتجارب والثقافة والأصدقاء والإلهام أخذ من أغوار نفسه سكينة الاستقرار ورمى به دوامة أحزان الغربة وصقيع المنفى:

مدن بلا فجر تنام،

ناديت باسمك في شوارعها، فجاوبني الظلام..

وسألت عنك الريح وهي تئن في قلب السكون،

ورأيت وجهك في المرايا والعيون،

وفي زجاج نوافذ الفجر البعيد،

وفي بطاقات البريد..

مدن بلا فجر يغطيها الجليد،

هجرت كنائسها عصافير الربيع..

فلمن تغني؟ والمقاهي أوصدت أبوابها؟

ولمن تصلي؟ أيها القلب الصديع؟

والليل مات..

والمركبات،

عادت بلا خيل يغطيها الصقيع،

وسائقوها ميتون ..

أهكذا تمضي السنون؟

ويمزق القلب العذاب..

ونحن من منفى إلى منفى، ومن باب لباب،

نذوي كما تذوي الزنابق في التراب،

فقراء يا قمري، نموت،

وقطارنا أبدا يفوت..

من «القاهرة»، زار «سوريا»، ثم «الاتحاد السوفييتي»، حيث تعرف إلى أقرب شعراء العالم إلى قلبه، «ناظم حكمت»، وفي زيارته تلك جاءته أنباء الثورة في وطنه عام 1958. فعاد مع طيور العراق المهاجرة، بعدها عين مستشارا ثقافيا في سفارة العراق «بموسكو» ثم عمل أستاذا في جامعتها، وفي «معهد شعوب آسيا»، وذلك حتى عام 1964، حيث دفعته الظروف وشدة الحنين إلى «القاهرة»، التي راح يبدع فيها أعماله المتميزة وتجاربه الرائدة. ومنها راح يتنقل بين مدن العالم، ويحلق في كل الآفاق.

وفي عام 1979 عين «البياتي» مستشارا ثقافيا في سفارة العراق «باسبانيا» التي ألهمته الكثير من بديع أعماله.

«كانت روما تنهض من تحت الأنقاض..

وقفنا تحت عمود النور..

رأينا نار الشعراء الاسبان المنفيين الموتى..

«لوركا» .. «ماشادو»..

ورأينا العربي القادم من «توليدو»

جدي السابع في معطفه الجلدي،

يساق إلى الموت أو المنفى..

ناديتك «ألبيرتي»!

فأجاب الشعر..

وآخر طفل في المنفى يبكي الوطن الأم،

ويبكي مدريد

....

شعري أورثني هذا الفقر القاتل، هذا

الحب اللهب، السيف القتال،

سيحز به عنقي يوما من أجل الفقراء»

في عام 1990 عاد «البياتي» ـ الأديب بلا حدود ـ إلى «العراق»، لكن العواصف الهوج سرعان ما أعادته إلى فلك الترحال والغربة، فحط رحالة سنة 1991 قريبا منه في «عمان بالأردن»، ثم ارتحل إلى «دمشق»، ملقيا عصا الترحال في رحابها العربية العريقة، مواصلا إبداعه الناضر، تملأ قلبه ما تعد أغنى مكتبة من شاعر حديث وعنه، تضم عشرين مجموعة شعرية ترجم معظمها إلى كثير من لغات العالم، كالانجليزية والفرنسية والروسية والإسبانية والفارسية والصينية والأوزباكية.

إضافة إلى كتبه في السيرة الذاتية، وفي الترجمة، والكتب والدراسات والرسائل العلمية عن شعره، الذي يعد بحق من أصدق مرايا عصره، وهموم أمته العربية وأحداثها من المحيط إلى الخليج، وهموم الإنسان في كل مكان، فكان بذلك أجلى نماذج «الأدباء بلا حدود» الذين تجرعوا ـ حتى الثمالة ـ كئوس الغربة:

«غريبا كنت في الوطن، وفي المنفى..

جراحاتي التي تشفى،

ستفتح في غد فاها،

لتسألني،

لتصلبني،

على شباك مستشفى..

فأواها ..

بعيد أنت ياوطني،

كحلم عبر نافذة القطار أراك في الوسن..

نخيلك في ضباب الفجر أيقظني..» في الثالث من أغسطس عام 1999، سكنت الحركة التي كانت بلا حدود، وفاضت روح شاعر الغربة والترحال، الملتزم بكل قيم الوطنية والقومية والإنسانية.

وكما أوصى، ووري في ثرى «دمشق» في ضريح الصوفي الأكبر «محي الدين بن عربي». ولقد كانت السماء رحيمة، حين جنبته عذابات المشاهد الحالية لاحتراق وطنه وتمزقه أشلاء، ومصارع الآلاف من أبنائه، وتشرد أضعافهم في المنافي .. بلا حدود.

عبدالوهاب قتاية