كيف كانت تتجمع في الموعد نفسه كل مساء قبل أن تأذن الشمس بالمغيب؟ هذا ما يحاول أن يتذكره رابطا بين فرقة العصافير تلك والمكان الذي كانت تتجمع فيه والمشروع الحلم الذي كان يتشكل يومها.
لو كانت مجرد عصافير عابرة لما لفتت انتباهه، لكنها كانت عصافير من نوع خاص، أو ربما كان هو يراها كذلك. فأي دور لعبته تلك الجوقة من العصافير في مرحلة مهمة من حياته، وكيف أصبحت واحدة من رموز عالمه الخاص التي كلما عاد إليها استحضر عالما قائما بذاته قلّما يتكرر أو يملك هو القدرة على صنع عالم آخر شبيه به؟
تُرى أيَّ نوع من الروابط يمكن أن تتهيأ على غير تخطيط منا، وأي أقدار يمكن أن تسوق لنا رموزا نحبها لتضعها في طريقنا ونحن نخطو نحو عوالم من الأحلام آخذة في التجسد على أرض الواقع، وأي فيض من الجمال يمكن أن يلقي بظلاله علينا ناشرا أجنحة الفرح كي تحلق بنا نحو مستقبل نكاد نراه رؤيا العين رغم أن الطريق إليه يبدو شاقا وطويلا في نظر المؤمنين بالمستحيلات؟
لو استخدم كل وسائل الإغراء التي يمكن استخدامها مع عصافير من ذلك النوع لما استطاع أن يجمعها في ذات المكان والزمان لتعزف ذلك اللحن الذي أصبح أليفا إلى نفسه، ولم تستطع مئات الألحان والمعزوفات التي تعاقبت بعده أن تمحو أثره.
لكن تلك العصافير كانت تفعل ذلك كل مساء دونما إغراءات سوى إغراء اللحظة التي تدعوها إلى عزف سيمفونيتها التي غدت طقسا يوميا لا يملك إلا أن يمارسه معها كي لا يشعر بأن خللا ما قد اعترى الكون فأخل بتوازن عالمه وبعثر كل الأوراق التي يحاول أن يجمعها ليصوغ منها تلك الرواية التي كانت فصولها الأولى تتشكل.
لم يكن يشغل نفسه كثيرا بالتفكير في الأماكن التي جاءت منها تلك العصافير، ولا في المسافة التي يمكن أن تكون قد قطعتها كي تصل إليه في موعدها المعتاد، ولا إلى أين ستذهب بعد أن تؤدي مهمتها، فقد كان كل اهتمامه منصبا على تلك اللحظة التي كان ينتظرها كل مساء، مكتفيا بنصيبه منها، تاركا لهواة تجريد اللحظات الجميلة من روعتها كل الأسئلة التي تنتزعها من عالم الحلم المحلق.
تُرى كم من الوقت كان يستغرق عزف تلك السيمفونية المسائية؟ هذا ما لم يحاول أيضا أن يبحث عنه أو يحدده كي لا يجرد سيمفونيته تلك من قيمتها إذا ما هو أدخلها عالم الأرقام وحولها إلى عملية حسابية وتعامل معها بالدقائق والثواني التي تنتهك روعة اللحظات السعيدة وتضع النقاط في نهايات الجمل، بينما يعشق هو الجمل المفتوحة على كنوز المعاني، تلك التي لا تحيط بها الأقواس ولا تضع لها علامات الترقيم حدا فتخنقها قبل أن تكتمل وتئدها قبل أن تولد.
لم يكن مهتما أيضا بإحصاء عدد العصافير التي كانت تعزف تلك السيمفونية كل مساء لأنه كان يؤمن بأن الإحصاءات تفقد الأشياء قيمتها وتجردها من معانيها الكبيرة، لذلك كان مستعدا لأن يستمع إلى عصفورة واحدة شريطة أن يصل صوت تلك العصفورة إلى المناطق المهمة من الشعور ويلامس الأوتار الحساسة التي لا تستطيع ملامستها سوى العصافير الأثيرة.
تُرى على أي شجرة تعزف تلك العصافير سيمفونيتها الآن، وهل ثمة من يصغي إليها بالإحساس نفسه الذي كان يغمره؟
سؤال آخر من أسئلة الذاكرة التي تهمس بها كلما أتى المساء وحان موعد عزف تلك السيمفونية الخالدة التي أحبها وحجز لها مكانا أثيرا في الذاكرة.
