تمتلك قلبا قويا لمشاهدة أي حادث مروري تجده أمامها في الطريق منذ طفولتها وتلزم والدها على إيقاف المركبة لرؤية تفاصيله الكاملة، كما تفضل العمل الذي يتسم بالدقة كمسك الإبرة والخيط من أجل الخياطة والتطريز إلى أن وصلت إلى طبيبة جراحة غير عادية لأنها اختلفت عن صديقاتها في التوجه لمثل تخصصها في جراحة الأوعية الدموية التي تماشت مع ماتتمتع به من دقة وصبر.
لتكون أول طبيبة إماراتية على مستوى الدولة متخصصة في هذا المجال الذي لا يجد إقبالا كبيرا عند الطلبة الذين يرغبون في دراسة الطب على الرغم من أهميته البالغة في مجتمعاتنا التي تعاني من أمراض مختلفة ترتبط بالأوعية الدموية.الدكتورة دينا القدرة طبيبة جراحة الأوعية الدموية في مستشفى راشد تحدثت عن تجربتها مع هذا المجال الصعب الذي يتطلب منها أن تكون على استعداد دائم سواء في المستشفى أو الطوارئ أو في المنزل على الرغم من أنها أم لفتاتين إلا أن عملها الإنساني هو الشيء الذي يصل بها إلى رضا الله تعالى.. بداياتها مع هذا المجال كما تقول عكس معاناتها مع أهلها لإقناعهم بهذا التخصص كونهم على دراية بصعوبته ودقته بناء على إقناع صديقاتي لهم بعدم الموافقة على تخصص جراحة الأوعية الدموية الذي وجدوا من خلاله صعوبة في أن أسلك المجالات ذاتها التي سلكنها كطب الباطنية أو طب الأطفال أو النساء والولادة على أساس أنها الأقرب لطبيعة الفتاة إلا أن إصراري على التوجه لتخصص ما أرغب به كان أقوى من أي معارضة.
• كيف تأكدت من رغبتك بضرورة التخصص في مجال جراحة الأوعية الدموية؟ ــ بعد حصولي على الطب العام من كلية دبي الطبية عملت سنة الامتياز في دائرة الصحة بدبي، وبعدها جاءت فترة التدريب لمدة أربع سنوات ومن خلالها تمكنت من الخوض في كافة المجالات والأقسام وجراحة القلب والتجميل، المسالك البولية حينها شعرت بأن ميولي تتجه نحو جراحة الأوعية الدموية التي تخصصت فيها إلى أن نصحني أحد الأطباء الأجانب بأن أتخصص في المجال الذي أرغب فيه، ثم حصلت على الزمالة البريطانية بجزئها الأول والثاني في الجراحة العامة، ودورة مكثفة في ألمانيا لمدة شهرين عام 2005 .
والتي تمثلت في تشخيص الأوعية الدموية التي تعتبر من الدورات المهمة نظرا لوجود مختبر الأوعية الدموية في مستشفى راشد متخصص بتشخيص أمراض الأوعية الدموية منها التقرحات التي يعاني منها أشخاص في الأطراف نتيجة مضاعفات بسبب مرض السكري الذي يؤثر بشكل كبير على الشرايين، إلى جانب تشخيص الشريان السنباتي الذي يغذي الدماغ وأي خلل فيه يؤدي إلى حدوث جلطات دماغية أو شلل نصفي «الفالج»، إلى جانب ذلك حرصت على إجراء دورة تدريبية على جهاز التصوير بالموجات الصوتية «الفحص التلفزيوني الملون» الذي يعنى بالأوردة والشرايين.
* كيف ترين طبيعة عملك في هذا المجال، وأبرز الحالات التي ترد إلى المستشفى؟
ــ عملي يتناسب مع شخصيتي وميولي كونه يتسم بالدقة من خلال العمل على توصيل الشرايين والأوردة ويلزم نوعا من الخياطة باستخدام خيوط من النايلون الرفيعة جدا بعضها لا يرى بالعين المجردة.
إضافة إلى أن مستشفى راشد يعد الوحيد في الإمارات الشمالية الذي يحتوي على مركز للأوعية الدموية إلى جانب أبوظبي والعين بالتالي ترد إلينا حالات عديدة ومختلفة من بقية إمارات الدولة للعلاج مما يشكل عبئا حقيقيا وكبيرا أمامنا نظرا لأعداد الأطباء القليل في هذا المجال والبالغ عددهم 5 أطباء فقط من الذكور وأنا الأنثى الوحيدة بينهم فيصل أعداد الزائرين من المرضى للعيادات الخارجية للمستشفى خلال الأسبوع الواحد حوالي 80 زائرا من مختلف الجنسيات يعانون من أمراض مختلفة أبرزها «دوالي الساقين» الذي يشكل نسبة 60 إلى 80% من المرضى .
وأبرزهم من السيدات فتظهر هنا عقبة تكمن في انهن يفضلن أن تكشف عن ساقهن طبيبة وباعتباري الوحيدة في هذا المجال أجد صعوبة في المواعيد كوجودي في العمليات أو في مستشفى دبي لإجراء جراحات مشابهة أو تغطية مناوبات في الطوارئ مما تضطر الأغلبية منهن إلى تأجيل الموعد ليتناسب مع وجودي في العيادة في المستشفى، إلى جانب زيارة المرضى لحالات تعاني من مضاعفات السكري كوجود تقرحات القدمين وجروح ملتهبة والغرغرينة التي تشكل نسبة 20%، إلى جانب مرضى الجلطات الدماغية التي تصل نسبتهم إلى 15% وهناك أقلية محولون من مستشفى دبي يعانون من فشل كلوي يلزمهم إجراء عملية توصيل الشريان بالوريد في الذراع ليمكنهم من عملية الغسيل التي يتم إجراؤها 3 مرات في الأسبوع.
صعوبات مهنية
• نوعية العمل في هذا المجال بلا شك تخلق العديد من الصعوبات المهنية ما أبرزها؟
ــ تعتبر الحالات المرضية التي تردنا من داخل الدولة «الآسيويون» والعرب بشكل عام في مجال الأوعية الدموية من حيث انسداد وتضيقات شرايين الأطراف الأسوأ على مستوى العالم وذلك بشهادة الأطباء من ناحية وجود نسبة السكري فيما بينهم وتصل إلى 40% فعند وصول هذه الحالات إلى المستشفى تكون الحالة متأخرة بسبب إهمال المريض ذاته لمرضه.
وتخوف البعض منهم من مواجهة المرض وقلة التوعية المجتمعية بأهمية إجراء الفحوصات المستمرة وتشخيص الحالات والعلاج قبل تأخر الحالات، إضافة إلى أن طبيعة شرايين الشعب الآسيوي والعرب بشكل عام تعتبر أصغر من شرايين الأوروبيين وبالتالي التعامل معها مختلف حيث أنها تتعرض إلى مضاعفات أكثر عن غيرها حتى بعد إجراء عمليات لها.
كما تعتبر أبرز الصعوبات التي نواجهها في هذا العمل افتقادنا للمسح الدوري أي «إجراء الفحوصات بالتصوير التلفزيوني» أو إجراء فحص للشرايين بصورة دورية لتفادي الوقوع في المرض لدرجة أننا حرصنا على عمل برنامج تثقيفي للأطباء من كافة الأقسام الطبية المختلفة حول كيفية فحص الشرايين بشكل مبدئي بحيث يتم في حال اكتشاف أي خلل في الشرايين العمل على تحويلها إلى قسم الأوعية الدموية، فيما يتميز عملنا على مساعدة المرضى لاسترجاع الحياة لأطرافهم نتيجة الجلطات المفاجئة التي تحصل لهم.
• ما أبرز المواقف الصعبة التي تعرضت لها خلال عملك؟
ــ المواقف الصعبة في هذا العمل تحديدا هم المرضى الذين يعانون من انسدادات كبيرة جدا في الشرايين يعجز الطب عن خدمتهم سواء مرضى الفشل الكلوي ذو المرحلة المتأخرة أو المصابين في تضيقات الشرايين الكبيرة، فالصعوبة تأتي عند إخبار المريض بأن حالته سيئة تتطلب إجراء عملية «بتر» لأحد أطرافه لعدم وجود أي وسيلة تحسين تغذية الساق بالدم.
فمنهم من يكون مثقفاً وواعياً تكون ردة الفعل لديهم عادية كالحوار المتبادل مع الطبيب للحصول على معلومات أكثر ومنهم من يفتقدون التثقيف الصحي فتكون ردة الفعل هجومية وصد مما يجعل الحوار معهم صعباً ومنهم من يرفض إجراء العملية داخل الدولة لعدم ثقتهم بالطبيب المواطن والعربي بشكل عام مما يصرون على السفر للخارج وتكون النتيجة أكثر سوءا ومخيبة للآمال.
ففي إحدى الحالات هناك شاب في عمر الثلاثين كان مصابا بتضيق كبير في شرايين الساق مما دفعنا إلى إبلاغه بسرعة بتر أطراف ساقه فقط، إلا أن عناده وإصراره على السفر وثقته العمياء بالطبيب الأجنبي جعله يندم فيما بعد نظرا لأنهم عملوا على بتر ساقه بالكامل، موضحة أن هناك حالات كثيرة لشباب في عمر الثلاثين لا يعانون من أمراض عضوية إلا أن التدخين هو السبب وراء انسداد وتضيقات شرايينهم بالكامل.
• ما أسباب قلة أعداد الأطباء المواطنين وخاصة الإناث في التخصص بجراحة الأوعية، وما السلبيات الناجمة عن ذلك؟
ــ المواطنون لا يلجأون إلى دراسة الجراحة بشكل عام حتى أننا نحاول لثلاث سنوات استقطاب الأطباء تحت التدريب بالتوجه إلى هذا التخصص إلا أن المحاولات تفشل لأسباب أهمها أن هذه النوعية من الدراسة صعبة للغاية وتتطلب مجهوداً جسدياً ونفسياً وصبراً ودقة متناهية في العمل خاصة خلال العمليات التي تستغرق في بعضها حوالي أكثر من ثماني ساعات وقد يلجأ الطبيب لإجراء عملية مفاجئة بعد الانتهاء منها.
كما يتطلب تخصصنا روح التضحية خاصة خلال المناوبات حيث ترد إلينا حالات في الطوارئ ناتجة من حوادث مرورية خطيرة تؤدى بصاحبها إلى كسور في الأطراف وتمزق الشرايين فيتطلب ذلك الأمر سرعة العمل في إعادة توصيل الشرايين لإنقاذ حياته.
وترى الدكتورة دينا أن هذه القلة في الأعداد وخاصة بعدم وجود أطباء مواطنين في تخصص جراحة الأوعية الدموية في المستقبل سيؤدي ربما إلى حدوث خلل كبير وانقراض للقسم ذاته على الرغم من أهمية هذا التخصص في مجتمعاتنا العربية لوجود حالات عديدة تعاني من أمراض الشرايين والأطراف والسكري وغيرها، فوجود الأعداد الكبيرة سيساهم في التخفيف من الأعباء الملقاة علينا خاصة أن عدد ساعات عملنا تصل أسبوعيا إلى أكثر من 90 ساعة عمل الأمر الذي نريد تشجيع الأطباء بالتخصص في المجال من أجل حماية الأفراد في المستقبل.
• ما أصعب العمليات بالنسبة لك، وأكثر المواقف التي بكيت عليها؟
ــ أصعب هذه العمليات بالنسبة لي على الصعيد النفسي هي بتر القدم أو أحد الأطراف فخلال إمساكي للسكين والمنشار الكهربائي ينتابني شعور متعب ومؤلم بشكل كبير وبالذات لحظة انفصال الجزء من الإنسان، أما الحالات التي أبكتني هي لحظة وفاة أحد المرضى أثناء إجراء عملية جراحية له والذي كان يعاني من نزيف كبير اثر حادث مروري فكانت لحظة البكاء عند إخبار أهله وزوجته وردة فعلهم وانهيارهم بعد سماعهم الخبر.
• كونك زوجة وأماً لبنتين كيف يمكنك التوفيق بين الأسرة وعملك لساعات طويلة في المستشفى؟
ــ لولا وجود زوجي إلى جواري لما تمكنت من الاستمرارية، كما إن وقوفه معي أكبر دافع للعمل ونسيان الضغوطات النفسية خاصة لما تتطلبه طبيعة عملي بأن أكون على استعداد دائم طوال ساعات اليوم للتواجد في المستشفى ففي كثير من الأحيان تأتيني هواتف من القسم بساعات متأخرة من الليل ووقت النوم تلزمني بالتواجد هناك فيحرص زوجي على اصطحابي إلى المستشفى وانتظاري في السيارة بقراءة الجرائد حتى تبتعد نظرة الشباب المتواجدين في الشوارع في هذه الساعات المتأخرة حول كيفية وجود فتاة في الشارع ليلا.
منال خالد- تصوير: عماد علاء الدين


